نتنياهو وورقة إيران… هل تُجهض حكومة آيزنكوت قبل ولادتها؟

الدكتور ثائر العجيلي

باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي

«شبكة الأمان العربية بين حسابات الأغلبية واستدعاء الضرورة الأمنية»

التقرير الاستراتيجي (72) : «أغلبية بلا حكومة… وسلطة بلا أغلبية»

8 تشرين الثاني / نوفمبر 2026

مقدمة: «تكليف بلا ضمانة»

أعاد اختيار غادي آيزنكوت لتشكيل الحكومة الإسرائيلية فتح معركة السلطة بعد انتخابات لم تمنح أيًا من المعسكرين أغلبية حاسمة. لكن الأزمة تجاوزت الحساب البرلماني إلى سؤال أكثر تعقيدًا: هل يستطيع آيزنكوت إزاحة بنيامين نتنياهو، أم يستطيع الأخير توظيف التهديد الإيراني لإعادة هندسة التحالفات ومنع ولادة حكومة بديلة؟ وبين أغلبية التكليف وأغلبية الحكم، تقف إسرائيل أمام اختبار سياسي وأمني ودستوري، تتداخل فيه حسابات السلطة مع مفهوم الشرعية.

1. «أغلبية التكليف»… وسلطة الحكم

أفرزت الانتخابات الإسرائيلية معسكرًا بقيادة نتنياهو يمتلك 53 مقعدًا، ومعسكرًا بقيادة آيزنكوت يمتلك 48 مقعدًا، فيما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعدًا. وبذلك تتوافر أغلبية حسابية من 67 نائبًا لإزاحة نتنياهو، لكنها ليست أغلبية سياسية متجانسة لتشكيل حكومة. وقد حصل آيزنكوت على توصيات 67 نائبًا لتكليفه، دون أن تضمن هذه التوصيات التصويت لحكومته. أما نتنياهو، فعلى الرغم من فقدانه أغلبية التشكيل، فإنه يواصل ممارسة السلطة حتى قيام حكومة جديدة. وهنا تظهر المفارقة الأساسية: «آيزنكوت يمتلك أغلبية التكليف دون ضمانة الحكم، ونتنياهو يمتلك سلطة الحكم دون أغلبية التشكيل». فالتكليف يمنح فرصة تشكيل الحكومة، لكنه لا ينقل السلطة تلقائيًا.

المصدر: رويترز، 7 نوفمبر 2026.

2. «ليبرمان والحريديم»…
حين يصبح الخصم طريقًا إلى السلطة

يرفض أفيغدور ليبرمان المشاركة في حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، كما يرفض العودة إلى حكومة يقودها نتنياهو. ومن هنا يتشكل المدخل الثالث: استقطاب الحزبين الحريديين، «يهدوت هتوراة» بسبعة مقاعد و«شاس» بستة مقاعد، لإضافة 13 مقعدًا إلى معسكر آيزنكوت والوصول إلى أغلبية 61 نائبًا. لكن هذه المعادلة تصطدم بعقدة سياسية؛ فليبرمان الذي جعل تجنيد الحريديم عنوانًا لصراعه معهم، يجد نفسه أمام احتمال التفاوض على تنازلات في القضية ذاتها لإزاحة نتنياهو.

غير أن المفاوضات تفتح فرضية أعمق: فقد يستثمر ليبرمان هويته اليمينية واتصالاته بالحريديم لاستقطاب قوى أخرى من معسكر نتنياهو، ثم يطرح نفسه بديلًا لرئاسة الحكومة إذا تعثّر آيزنكوت. وهذا ليس تحولًا تلقائيًا في التكليف، بل مسار يتطلب أغلبية تقبل بقيادته وإجراءات دستورية جديدة. «قد ينجح ليبرمان في إزاحة نتنياهو، لكنه قد يزيح آيزنكوت عن طريق السلطة أيضًا».

المصدر: يديعوت أحرونوت وتايمز أوف إسرائيل، نوفمبر 2026؛ احتمال انتقال رئاسة الحكومة إلى ليبرمان فرضية تحليلية.

3. «شبكة الأمان العربية»… أغلبية ممنوعة سياسيًا

تمنح المقاعد العربية التسعة عشر آيزنكوت إمكانية حسابية لإزاحة نتنياهو، سواء عبر مشاركة بعض الأحزاب العربية أو تقديم دعم برلماني خارجي لحكومة أقلية. ولا يشترط النظام البرلماني الإسرائيلي بالضرورة حصول الحكومة على 61 صوتًا لتنصيبها، بل تحقيق أغلبية الأصوات المدلى بها في اقتراع الثقة. غير أن اعتراض ليبرمان والتحفظات لدى شركاء آخرين يحولان هذه الإمكانية إلى مأزق سياسي.

وهنا تظهر مفارقة أعمق: الأحزاب العربية تستطيع المساهمة في إزاحة نتنياهو، لكن بعض القوى الراغبة في إزاحته ترفض الاعتماد عليها للوصول إلى الحكم. وهكذا تنتقل المعركة من شرعية الأغلبية البرلمانية إلى شرعية الانتماء السياسي والقومي، ويصبح الدعم العربي قوة حسابية يمكن تصويرها في الخطاب الحزبي باعتبارها نقطة ضعف. وفي المقابل، قد يدفع هذا الرفض آيزنكوت إلى تقديم تنازلات للحريديم، أو يفتح المجال أمام ليبرمان لإعادة تشكيل التحالف بقيادة مختلفة.

المصدر: رويترز وتايمز أوف إسرائيل، نوفمبر 2026.

4. «نتنياهو وورقة إيران»… استدعاء الضرورة الأمنية

هنا تبرز فرضية استراتيجية تستحق الاختبار: قد يجد نتنياهو في استمرار المواجهة مع إيران، أو احتمال تجدد التصعيد، فرصة لإعادة تقديم نفسه باعتباره الأقدر على قيادة إسرائيل في ظرف أمني استثنائي. ولا يعني ذلك وجود دليل على أنه يخطط لافتعال مواجهة عسكرية لتعطيل تشكيل الحكومة؛ وإنما يتعلق الأمر بإمكانية توظيف أزمة أمنية قائمة في الصراع السياسي.

فإذا حاول آيزنكوت تشكيل حكومة تحظى بشبكة أمان عربية، فقد يُستخدم سؤال الأمن القومي للطعن في ملاءمة هذه الصيغة لقيادة مواجهة مع إيران. وفي المقابل، يستطيع نتنياهو الدعوة إلى حكومة وحدة وطنية باعتبارها استجابة للضرورة الأمنية. «فحين تتعثر أغلبية المقاعد، تُستدعى أغلبية الانتماء إلى المكوّن الأكبر، ويصبح المشترك بين الخصوم موردًا سياسيًا قادرًا على إعادة رسم حدود اختلافهم». وعندئذ قد تتحول ورقة إيران من ملف للسياسة الخارجية إلى عنصر مؤثر في تشكيل السلطة الداخلية.

المصدر: التغطيات السياسية الإسرائيلية، أكتوبر–نوفمبر 2026؛ توظيف التهديد الإيراني لتعطيل الحكومة فرضية تحليلية.

5. «إزاحة نتنياهو»… ومن يرث السلطة؟

لم تعد معركة إزاحة نتنياهو محصورة بينه وبين آيزنكوت؛ فدخول ليبرمان على خط التفاوض مع الحريديم يفتح احتمال إعادة توزيع القيادة داخل معسكر التغيير نفسه. وأمام القوى المناهضة لنتنياهو مسارات متعددة: حكومة أقلية بدعم عربي خارجي إذا تغيرت مواقف الشركاء، أو أغلبية من 61 مقعدًا تضم الحريديم، أو ائتلاف أوسع يستقطب شخصيات وقوى يمينية من معسكر نتنياهو. كما تستطيع الأغلبية البرلمانية المناهضة له التأثير في رئاسة الكنيست وإدارة أعماله، دون أن يعني ذلك انتقال السلطة التنفيذية تلقائيًا.

لكن المفارقة أن نجاح ليبرمان في توسيع التحالف قد يمنحه موقعًا تفاوضيًا يتجاوز دوره الأصلي، ويطرح سؤالًا عن الشخصية التي ستقود الحكومة الجديدة. وقد يجد آيزنكوت نفسه أمام شريك يسعى إلى وراثة موقعه قبل أن يتسلمه. وفي المقابل، يظل نتنياهو قادرًا على طرح حكومة وحدة أو انتظار فشل المفاوضات والعودة إلى معركة التكليف.

وهكذا، فإن إزاحة نتنياهو لا تحسم وحدها هوية خليفته؛ فقد تتحول معركة إسقاطه إلى معركة جديدة على وراثة سلطته.

المصدر: يديعوت أحرونوت والتغطيات الإسرائيلية لمسارات تشكيل الحكومة؛ سيناريو رئاسة ليبرمان تقدير استشرافي.

6. «من أزمة الحكومة إلى أزمة الشرعية»

تضيف المخاوف الأمنية من اضطرابات محتملة حول الكنيست بُعدًا أكثر حساسية إلى الأزمة. فقد أوردت تقارير صحفية إسرائيلية تحذيرات من محاولات متطرفة لتعطيل الإجراءات البرلمانية، مع استحضار أحداث الكابيتول الأميركي عام 2021. لكن هذه التحذيرات ينبغي التعامل معها بوصفها مخاوف من سيناريو محتمل، لا دليلًا على خطة انقلابية مؤكدة.

وتكمن الخطورة السياسية في استمرار التشكيك بنتائج الانتخابات إذا تحول من اعتراض حزبي إلى محاولة لمنع المؤسسات من ممارسة اختصاصاتها. وعندها لن يعود الخلاف محصورًا بمن يستطيع تشكيل الحكومة، بل سيمتد إلى الاعتراف بحق الخصم في تولي السلطة. كما أن استمرار نتنياهو في الحكم خلال فترة المفاوضات يمنح الأزمة بعدًا إضافيًا يتعلق بالفصل بين السلطة القائمة وشرعية الحكومة المقبلة.

«فحين تعجز صناديق الاقتراع عن إنتاج حكومة، تنتقل المعركة إلى هندسة التحالفات؛ وحين تُطعن شرعية الصناديق نفسها، لا تعود الأزمة أزمة حكومة، بل أزمة دولة».

المصدر: التقارير المنقولة عن معاريف ويديعوت أحرونوت؛ التحذيرات الأمنية لا تثبت وقوع السيناريو.

خاتمة: «من يملك السلطة ومن يرثها؟»

تقف إسرائيل أمام معادلة تتجاوز التنافس التقليدي بين نتنياهو وآيزنكوت. فالأول يحتفظ بالسلطة دون أغلبية تشكيل، والثاني يمتلك أغلبية تكليف دون ضمانة حكم، بينما يستطيع ليبرمان، إذا نجحت مفاوضاته مع الحريديم واستقطب قوى يمينية إضافية، أن يتحول من مهندس الأغلبية إلى منافس على قيادتها.

وفي خلفية هذه الحسابات تقف إيران بوصفها ورقة أمنية قد تؤثر في مسارات تشكيل الحكومة، فيما تبقى شبكة الأمان العربية موضع خلاف داخل معسكر التغيير.

وقد لا يحتاج نتنياهو إلى إسقاط حكومة آيزنكوت بعد تشكيلها؛ فقد تكفيه ورقة إيران لمنع ولادتها، إذا نجح في تحويل شبكة الأمان العربية من مصدر قوة برلمانية إلى عبء سياسي وأمني.

لكن المفارقة المقابلة أن محاولة إزاحة نتنياهو قد تفتح صراعًا جديدًا بين آيزنكوت وليبرمان على رئاسة الحكومة.

وهكذا، فإن المعركة الحقيقية لم تعد بين من يملك المقاعد ومن يملك السلطة فحسب، بل بين من يستطيع تحويل المقاعد إلى سلطة، ومن يستطيع استخدام السلطة لمنع ذلك التحول، ومن يستعد لوراثتها إذا سقط صاحبها.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24