د.حسين العويسي
قبل أيام معدودات جالسني صديق ليلا في حديقة مدينتنا الصغيرة التي نعتبرها متنفسا لاستنشاق الهواء مباشرة من فضاء بلدي ، بعيدا عن الجدران والكونكريت والبلاط الساخن ، بالرغم من انعدام الخدمات العامة فيها ، بلا عناية بلدية بلا حراسة من أصحاب الشأن .
محرمة على بناتنا الصغيرات ، خوفا من أصحاب الدراجات الكاسرة التي يمتطيها مجموعة من الشباب الوافدين من المناطق المجاورة الذين يتعاطون السجائر واحيانا النراگيل وأشياء أخرى تجعلهم يتراقصون بين الفرح والصخب والعنف .
تكلم صاحبي المتقاعد بأسلوب فلسفي منسوبة عالِ توزعت معانيه بين الحكمة وقدرة الله على كل شيء ، ركز في إعجابه على الليل وعتمته ، اعتقدت في البداية أنه يتهكم على انطفاء الكهرباء المستمر وظلمة حديقتنا المخيفة للمارة من أذى فتيان الدراجات النارية في منتجع الفقراء المغتصب .
اكتشفت انه لا يقصد ظلام الحديقة ولا وقاحة أصحاب الدراجات السائبة ولا أعمال البلدية المتذبذب ، لأن هذه المشاهدات طبيعية اعتاد العراقيون عليها منذ زمن بعيد .
تبين أن صاحبي يقصد أسرار الليل بشكل عام ، وقال بيتا من شعر الشاعر اللبناني محمود القعقور التي غناه وديع الصافي ( الليل ياليلى يعاتبني ويقول سلم على ليلى …) الذي كتبه لإبنته ليلى حبا وحنينا لها والذي فسره الكثير انه غزل وعشق يشبه شعر المجنون قيس ابن الملوح مع حبيبته( قيس وليلى) خطأً…
بعكس ما يصف الليل امرئ القيس ويتمنى زواله لأنه ثقيل .
وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَهُ
عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمومِ لِيَبتَلي
فَقُلتُ لَهُ لَمّا تَمَطّى بِصُلبِهِ
وَأَردَفَ أَعجازاً وَناءَ بِكَلكَلِ …
تبين أن صاحبي المتقاعد البليغ يصف النصف الثاني من اليوم ( الليل والنهار) وعجائب خلق الله ، (ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) وايات كريمات أخريات تدل على عظمة وقدرة الخالق جل جلاله …. (هو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا) … الخ .
عدم السبق أو الفوت ، لا يستطيع الليل أن يسبق النهار فيذهب بضيائه أو يطغى عليه قبل انتهاء مدته المقررة .
التعاقب المستمر ، يطلب أحدهما الآخر طلباً حثيثاً بلا مهلة ولا تراخٍ ، فما إن ينتهي أحدهما حتى يبدأ الآخر مباشرة .
وتمام التدبير، تشير الآية إلى إحكام نظام الكون ودوران الشمس والقمر والليل والنهار في فلك مُقدر بدقة من الله عز وجل .
حولني هذا الرجل من التفكير السطحي الى العميق بعد أن كنت أفكر بقدرات الإنسان البسيطة لأكتب كإنسان متعلم الآتي :
في عتمة الليل ، حيث ينسحب العالم ، ينكفئ الناس إلى مخادعهم ، تنبت للمرء أجنحة من نوع آخر .
هنا ، بعيدًا عن ضوضاء النهار وصخب المجتمع ، يجد الإنسان نفسه وجهًا لوجه مع ذاته ، مستثمرًا هذا السكون المهيب ليتحرر من الأقنعة التي فرضتها عليه الحياة اليومية .
الليل ليس مجرد وقت لانقضاء اليوم ، بل هو رداء دافئ يستر النفس ويواري خلفه عيوب البشر وأسراره الخفية .
في ضوء النهار، نتحرك تحت مجهر الأحكام والرقابة والعمل والأصل كسب الرزق الحلال ، نرتدي الحذر والتحفظ في مايرضي الله والناس .
أما في الليل ، فيذوب ذلك الجدار الجليدي ، يجرؤ المرء على ممارسة خلواته الأكثر خصوصية ؛ تلك التي لا يملك الجرأة على إظهارها تحت ضوء الشمس .
بين طيات السواد ، تتعدد صور هذه الخلوة البشرية الصامتة :
خلوة مع الله في أطهر سجدة مناجاة خاشعة ، حيث تسقط الدموع اعترافاً وتقرباً ، بعيداً عن رياء الأعين ، وفي رحاب مغفرة تسع الكون .
خلوة مع النفس ، لإصلاح ما انكسر في النهار، ومحاسبة الذات ، وترتيب شتات الأفكار والعيوب في سلام وأمان .
خلوة مع الحبيب ، استدعاء لملامحه ، وابحار في طيفه ، حيث يمارس القلب طقوس الشوق والاشتياق اما لمحبوب غائب أو حبيب ميت او مفقود ، فيكتب له رسائل لا تُرسل بأي واسطة بشرية ، يناجيه بوجدانية في غيابه دون خوف من لوم العاذلين .
الليل يمنحنا الشجاعة لنكون نحن ، بحقيقتنا وضعفنا وأشواقنا لما نتمناه ، دون خوف من حكم أو ملامة ، ليظل الحارس الأمين على كل ما نخشى إعلانه في وضح النهار .
الليل يذكر الإنسان بمكانه الحتمي بعد الموت هاجعا صامتا في عتمة القبر الى يوم الدين ، بلا كبرياء بلا مال ولا بنون ولا منصب .
بلا صوت بلا عشيرة بلا كبكبة بلا فخفخة ولا مركبة فارهة يتباهى بنوعها وشكلها وموديلها ، حافٍ ثوبه الكفن لاغير .
أنا لا أفكر في ليلي ومعظم الناس امثالي إلا برزق حلال مبارك ومغفرة واجري على الله ، وآخرون يحلمون في لياليهم مايروق لهم …













