بقلم ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
أتذكر ذلك الشعور جيدًا…
حين اشتريت سيارة جديدة، لم تكن مجرد سيارة بالنسبة إليّ. كانت فرحة تسير على أربع عجلات، وشيئًا جميلًا ألتفت إليه كلما ابتعدت عنه، وأتأمله حين أقترب منه، وأشعر بسعادة مختلفة كلما أمسكت بمفتاحه.
مع أن السيارة لم تكن نادرة، وكان مثلها كثير في الشوارع، فإنها بالنسبة إليّ كانت مختلفة؛ لأنها أصبحت سيارتي أنا.
مر شهر… ثم شهران…
وبدأ ذلك الشعور يتراجع شيئًا فشيئًا.
لم تتغير السيارة، ولم يقل جمالها، ولم ينقص من مواصفاتها شيء، لكن شيئًا واحدًا تغير: أنا اعتدت عليها.
أصبحت السيارة التي كانت تسعدني رؤيتها كل صباح شيئًا عاديًا في حياتي. ثم بدأت عيناي تلاحظان سيارة أجمل، وأحدث، وربما أفخم.
وهنا يبدأ السؤال:
لماذا لا تدوم فرحة الأشياء؟
ولماذا يتحول ما كان بالأمس حلمًا إلى شيء عادي اليوم، ثم تبدأ النفس غدًا بالبحث عن حلم آخر؟
هذه ليست قصة سيارة فقط.
إنها قصة هاتف جديد، وساعة فاخرة، وحقيبة تحمل علامة مشهورة، وملابس باهظة الثمن، ومنزل أكبر، وسفرة أكثر فخامة…
إنها قصة الإنسان حين يربط جزءًا من سعادته بما يمتلك.
ننتظر الشيء طويلًا، ونتخيله، ونبحث عنه، ونقارن أسعاره، ثم نشتريه فتغمرنا فرحة كبيرة. لكن الأيام تمضي، ويصبح الجديد مألوفًا، والمألوف عاديًا، والعادي لا يثير فينا ذلك الشعور الأول.
فتبدأ النفس تبحث عن الجديد من جديد.
وهنا ليست المشكلة.
فحب الجميل ليس عيبًا، والرغبة في التطور ليست خطأ، وشراء سيارة أفضل أو هاتف أحدث لمن يستطيع ذلك ليس إسرافًا بالضرورة.
المشكلة تبدأ عندما لا نعود نشتري لأنفسنا…
بل نشتري لعيون الآخرين.
حين لا أسأل نفسي:
هل أحتاج هذا؟
بل أسأل، ولو بصمت:
ماذا سيقول الناس عندما يرونه معي؟
حينها يتحول الهاتف من وسيلة اتصال إلى وسيلة لإثبات المكانة، وتتحول السيارة من وسيلة نقل إلى رسالة اجتماعية، وتصبح الملابس والساعات والعلامات التجارية محاولة لإخبار الآخرين بشيء نريدهم أن يصدقوه عنا.
وهنا يدخل الإنسان سباقًا خطيرًا.
لأن رضا الناس غاية لا تُدرك.
إن اشتريت هاتفًا حديثًا، فهناك من يملك أحدث منه.
وإن اشتريت سيارة فاخرة، فهناك من يقود أفخم منها.
وإن لبست أغلى الماركات، فهناك دائمًا من يستطيع أن يدفع أكثر.
فإلى أين سينتهي السباق؟
المشكلة الأكبر ليست عند من يملك الملايين ويستطيع شراء ما يشاء دون أن تهتز حياته المالية، وإنما عند من يحاول أن يعيش حياةً تفوق قدرته حتى يبدو أمام الناس في مستوى ليس مستواه.
راتبه محدود، والتزاماته كثيرة، وربما أسرته أولى بذلك المال، ومع ذلك يرى هاتفًا جديدًا باهظ الثمن، فيشعر أن عليه أن يمتلكه.
ليس لأن هاتفه توقف عن العمل.
وليس لأن الجديد سيغير حياته.
بل لأن الآخرين امتلكوه.
فيبدأ البحث عن التقسيط والتمويل والاستدانة.
وهكذا يشتري الإنسان في دقائق شيئًا سيظل يدفع ثمنه شهورًا.
والأغرب أنه ربما قبل أن ينتهي من دفع أقساط ذلك الجهاز، تكون فرحته به قد انتهت!
الهاتف ما زال جديدًا…
لكن الشعور أصبح قديمًا.
ثم يظهر إصدار آخر.
فتعود الدائرة من جديد:
رغبة…
شراء…
فرحة…
اعتياد…
مقارنة…
ثم رغبة أخرى.
وإن لم ينتبه الإنسان، فقد تتحول حياته كلها إلى مطاردة مستمرة لأشياء تمنحه سعادة مؤقتة وتترك له التزامات طويلة.
وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا سؤالًا صريحًا:
هل أنا أملك الأشياء، أم أن الأشياء بدأت تملكني؟
فالإنسان الحر ماليًا ليس الذي يستطيع شراء كل ما تقع عليه عيناه، وإنما الذي يستطيع أن يرى شيئًا جميلًا، ويعجبه، ثم يقول بكل هدوء:
جميل… لكنني لا أحتاجه.
وأن يرى شخصًا يقود سيارة أفخم منه دون أن يشعر أن سيارته فقدت قيمتها.
وأن يرى هاتفًا أحدث دون أن يشعر أن الهاتف الموجود في يده أصبح فجأة عديم الفائدة.
ذلك ليس حرمانًا.
ذلك وعي.
والعلاج في رأيي يبدأ بكلمة صغيرة عظيمة المعنى:
القناعة.
والقناعة لا تعني أن تتوقف عن الطموح، ولا أن تحرم نفسك مما تحب، ولا أن ترفض التطور.
القناعة أن تستمتع بما لديك دون أن يعذبك ما لدى الآخرين.
أن تطور حياتك لأنك تريد تطويرها، لا لأنك تريد إثبات شيء لأحد.
أن تشتري عندما تستطيع، لا عندما يريد الآخرون منك أن تبدو قادرًا.
وأن ترضي نفسك قبل أن تفكر في إرضاء عيون الناس.
فالحقيقة التي نغفل عنها أن الناس لا ينشغلون بنا بقدر ما نتخيل.
قد يعجب أحدهم بهاتفك الجديد لدقائق، ثم يعود إلى حياته.
وقد يلتفت إلى سيارتك للحظات، ثم يمضي.
وقد يمتدح ساعتك أو ملابسك، ثم ينساها.
أما أنت، فقد تبقى شهورًا أو سنوات تدفع ثمن تلك اللحظات القليلة من الإعجاب.
فهل تستحق؟
لقد أصبحت الصناعة الحديثة بارعة في صناعة الرغبات. فما إن نعتاد منتجًا حتى يظهر منتج آخر يخبرنا بطريقة أو بأخرى أن ما نملكه لم يعد كافيًا.
لكن القرار في النهاية يبقى لنا.
لسنا مضطرين إلى شراء كل جديد كي نكون سعداء.
ولسنا مضطرين إلى الظهور بصورة الأغنياء كي نشعر بقيمتنا.
ولسنا أقل من أحد لأن هاتفنا أقدم، أو سيارتنا أبسط، أو ملابسنا أرخص.
قيمة الإنسان لا يحملها في يده، ولا يوقفها أمام منزله، ولا يرتديها على معصمه.
إنها في داخله.
ولعل أجمل انتصار يحققه الإنسان على هذا السباق أن يصل يومًا إلى مرحلة يرى فيها الجديد، فيعجبه، لكنه لا يشعر بالنقص لأنه لا يملكه.
أن يقول لنفسه:
لدي ما يكفيني.
وأنا سعيد بما لدي.
وإذا اشتريت غدًا شيئًا أجمل، فسأشتريه لأنني أريده وأستطيع تحمّل ثمنه، لا لكي أثبت للناس أنني أستطيع.
فالجديد سيصبح قديمًا.
والسيارة التي نحلم بها اليوم ستصبح يومًا سيارة عادية.
والهاتف الذي يصطف الناس من أجله اليوم سيأتي يوم لا يلتفت إليه أحد.
وحتى إعجاب الناس بنا سيذهب إلى شخص آخر يملك شيئًا أحدث.
لكن شيئًا واحدًا إذا سكن القلب أغناه عن كثير من هذا الركض:
القناعة.
فالقناعة لا تمنعك من أن تمتلك المزيد…
ولكنها تمنع المزيد من أن يمتلكك.
وما أجمل أن نملك الأشياء بأيدينا، دون أن نسمح لها أن تملك قلوبنا.















