ضياء الصفار
لم تعد الثقافة في عالم اليوم شأناً نخبوياً منفصلاً عن قضايا السياسة والاقتصاد والأمن، كما لم يعد الأمن القومي مفهوماً يقتصر على حماية الحدود أو امتلاك القوة العسكرية. فقد اتسعت دائرة الصراع والتنافس بين الأمم لتشمل المعرفة والتكنولوجيا والإعلام والوعي والهوية والقدرة على إنتاج الأفكار وصناعة الروايات.
ومن هذه الزاوية، تبرز الثقافة العربية بوصفها أحد المكونات الأساسية للأمن القومي العربي، ليس لأنها تحرس الماضي فحسب، وإنما لأنها تسهم في تحديد صورة الأمة عن ذاتها، وموقعها في العالم، وقدرتها على فهم التحولات وصناعة المستقبل.
الثقافة هي الذاكرة الحية للأمة، واللغة أحد أهم أوعيتها، والتاريخ أحد مصادر وعيها بذاتها. ومن خلالها تتشكل منظومة القيم والتصورات التي تمنح المجتمع شعوراً بالانتماء والاستمرارية ، كما أنها تمثل أحد أهم مكونات الهوية الوطنية والقومية، وضعفها يؤدي تدريجياً إلى ضعف الأحساس والشعور بالهوية والانتماء .
لكن الهوية ليست متحفاً للماضي، ولا ينبغي أن تتحول إلى قيد يمنع التطور،فالهوية الحية هي التي تستطيع أن تحافظ على جوهرها بوصفها مشروعاً متجدداً ، وفي الوقت نفسه تستوعب المتغيرات وتعيد إنتاج نفسها وصناعة مستقبلها في ضوء متطلبات العصر.
ومن هنا فإن الدفاع عن الهوية العربية لا يعني الانغلاق عن العالم، وإنما يعني امتلاك القدرة على التفاعل معه من موقع الوعي والثقة، لا من موقع التبعية أو الذوبان.
لقد أصبح الصراع بين الأمم أكثر تعقيداً من أن يُختزل في المواجهة العسكرية. فالمعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد والإعلام والثقافة أصبحت جميعها أدوات للقوة ، أو ما يطلق عليها في عالم السياسة اليوم ( القوة الناعمة) .
وفي عصر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، باتت القدرة على إنتاج المعرفة والتحكم في المعلومات وصناعة الصورة والرواية جزءاً من القوة الاستراتيجية للدول والمجتمعات.
ولهذا فإن الأمة التي تستهلك المعرفة ولا تنتجها، وتستورد التكنولوجيا ولا تطورها، وتترك الآخرين يصوغون صورتها وروايتها، قد تجد نفسها في حالة من التبعية تتجاوز الاقتصاد والسياسة إلى مستوى أعمق: التبعية المعرفية والحضارية.
من هنا لا يمكن النظر إلى أزمة الثقافة العربية بوصفها مجرد ضعف في الإنتاج الأدبي أو الفني أو الفكري، وإنما ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءاً من أزمة أوسع تتعلق بقدرة العقل العربي على التعامل مع العصر وإنتاج الأسئلة والأفكار والمشروعات التي تستجيب لتحولاته . لقد ظل الخطاب العربي، في حالات كثيرة، متأرجحاً بين موقفين متناقضين إما العودة إلى الماضي بوصفه إجابة جاهزة عن الحاضر، أو النظر إلى الآخر بوصفه نموذجاً ينبغي تقليده ،
بينما تحتاج النهضة إلى موقف ثالث وهو الاستفادة من منجز الحضارة الإنسانية، ونقده واستيعابه، ثم إعادة إنتاجه بما يتوافق مع خصوصيتنا واحتياجاتنا ومصالحنا. وهذا هو الفرق بين ثقافة تعيش على الذاكرة وثقافة تحول الذاكرة إلى طاقة للمستقبل.
ولكن ما دور الثقافة في حماية وتأمين الأمن القومي؟ وهل يمكن أن تكون عاملاً مهماً في قوة المجتمع؟
إذا كان الأمن القومي يعني حماية استقلال الأمة وقدرتها على اتخاذ قراراتها والدفاع عن مصالحها، فإن الثقافة والمعرفة تصبحان جزءاً لا يتجزأ من هذا الأمن.
فالأمة التي تفقد لغتها تضعف إحدى أهم أدوات تماسكها، والأمة التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر عرضة لإعادة تعريف تاريخها من الخارج، والأمة التي لا تنتج المعرفة تصبح أكثر اعتماداً على غيرها في تحديد خياراتها، والأمة التي لا تستطيع صناعة روايتها تترك الآخرين يحددون صورتها ومكانتها في العالم.
ومن هنا يمكن النظر إلى الأمن الثقافي والمعرفي باعتباره امتداداً طبيعياً للأمن السياسي والاقتصادي والعسكري.
لكن الأمن الثقافي لا ينبغي أن يتحول إلى حصار للعقل أو إلى رفض للنقد أو إلى خوف من التفاعل مع الحضارات الأخرى. فالثقافة القوية ليست التي تمنع الأفكار من الدخول، وإنما التي تمتلك من المناعة العقلية والمعرفية ما يمكنها من فهم الأفكار ونقدها واختيار ما يفيد منها.
ولكن ما هو دور التنوع داخل المجتمع العربي الموحد المنشود؟ نعتقد أنه يكتسب أهمية خاصة في الحالة العربية، حيث تتعدد المجتمعات والثقافات المحلية والمكونات الدينية والمذهبية والإثنية. إن بناء الهوية العربية الجامعة لا يقتضي إلغاء هذه الخصوصيات، كما أن الاعتراف بالتنوع لا ينبغي أن يؤدي إلى إلغاء المشترك.
المطلوب هو بناء علاقة متوازنة بين الهوية الوطنية والهوية القومية والتنوع المجتمعي، بحيث يصبح التنوع مصدر غنى، لا سبباً للتفكك، وتصبح المواطنة إطاراً جامعاً يحمي الجميع تحت سيادة القانون.
ربما كان الخطأ الأكبر في التعامل مع الثقافة هو اختزالها في الدفاع عن التراث ،فالتراث مهم، لكنه لا يكفي ، واللغة مهمة، لكنها لا تكفي ، والذاكرة التاريخية مهمة، لكنها لا تكفي.ما تحتاجه الأمة هو تحويل هذه العناصر إلى قدرة على الإنتاج والإبداع ،فالقوة الحضارية لا تقاس فقط بما ورثناه عن الأسلاف، وإنما بما نستطيع أن نضيفه إلى الحضارة الإنسانية.
ولكن ماذا سيضيف العرب إلى العالم في القرن الحادي والعشرين؟
إذا لم نطرح هذا السؤال، ستظل علاقتنا بالحضارة علاقة مستهلك بمنتج، لا علاقة شريك بصاحب مشروع. حيث لابد من مشروع ثقافي عربي جديد يعيد للأمة حيويتها ودورها الأنساني المطلوب !! . إن تجديد الثقافة العربية لا يعني القطيعة مع الماضي، ولا يعني العودة إليه كما هو بل يعني إعادة بناء العلاقة معه.
نحتاج إلى ثقافة تشجع السؤال لا التلقين، والعقل لا التكرار، والإبداع لا المحاكاة، والنقد لا التسليم، والانفتاح لا الذوبان.
ونحتاج كذلك إلى مشروع عربي للمعرفة والبحث العلمي والترجمة والتعليم والإعلام والثقافة الرقمية، بحيث لا تبقى الثقافة نشاطاً هامشياً، وإنما تصبح جزءاً من استراتيجية التنمية والأمن القومي العربي.
فالمشروع الحضاري لا يبدأ من امتلاك الأدوات، وإنما يبدأ من امتلاك الإنسان القادر على استخدامها وإنتاج ما هو جديد. إن معركة الثقافة العربية ليست معركة على الماضي، وإنما هي معركة على المستقبل ، ولا يكفي أن نحافظ على هويتنا إذا كنا عاجزين عن تطويرها، ولا يكفي أن نفتخر بتاريخنا إذا لم نستطع أن نضيف إليه، ولا يكفي أن نرفض التبعية إذا لم نمتلك المعرفة والقدرة اللتين تحققان الاستقلال.
ومن هنا فإن إعادة بناء الثقافة العربية ينبغي أن تصبح جزءاً من إعادة بناء الأمن القومي العربي، وجزءاً من استئناف المشروع الحضاري العربي.
فالأمة التي تمتلك ذاكرتها وتحمي هويتها، وتنتج معرفتها، وتصنع روايتها، وتربي عقلاً نقدياً مبدعاً، وتستطيع أن تتفاعل مع العالم دون أن تفقد ذاتها، لا تحمي أمنها القومي فحسب، بل تبدأ في بناء قوتها الحضارية.
ولا تقديس للماضي ولا إنكار له؛ وإنما تحويله من ذاكرةٍ تحفظ الهوية إلى قوةٍ تصنع المستقبل.
27 / أيلول / 2026










