اللواء الركن فيصل الدليمي
أثار إعلان وزير الخارجية التركي استعداد بلاده لتلبية الاحتياجات العسكرية والتقنية للسعودية في مواجهة الهجمات الحوثية في اليمن استنادا إلى اتفاق مكة الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، وهنا يبرز تساؤلا استراتيجيا خطيرا: هل يتعارض هذا الالتزام الجديد مع عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي “الناتو”؟:
1•*أن جوهر الاتفاقين:*
اتفاق مكة وحلف الناتو هناك تشابه في الصيغة واختلاف في النطاق،حيث يقوم اتفاق مكة على مبدأ أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجوما على الدول الأخرى. وهي صيغة تكاد تطابق نص المادة الخامسة من معاهدة الناتو. لكن التشابه الشكلي يخفي اختلافا جوهريا:
حيث الناتو:حلف دفاعي غربي،نطاقه محدد بمعاهدة واشنطن 1949.
أما اتفاق مكة: تحالف إقليمي إسلامي، يضم دولتين غير عضوين في الناتو (السعودية وباكستان)، ونطاق عملياته المحتمل هو البحر الأحمر والخليج العربي والقرن الأفريقي، وهي مناطق أصلا خارج اهتمام وتأثير الناتو المباشر.
*2•هل يوجد تعارض قانوني؟*•
قانونيا، لا يوجد تعارض مباشر حتى الآن. فالمادة الثامنة من معاهدة الناتو تمنع العضو من الدخول في أي اتفاق يتعارض مع التزاماته داخل الحلف.ولهذا سارعت أنقرة للتأكيد أن اتفاق مكة هنا مكمل وليس بديلا..وتركيا تاريخيا تجيد لعبة التحالفات المتوازية، فهي في الناتو وتتعاون مع روسيا بمنظومة صواريخ S-400، والآن تدخل تحالفا خليجيا جديدا؟. المشكلة إذن ليست قانونية، بل سياسية وعملية..
*3•أين تكمن نقطة الخلاف والانفجار؟*
أن الوضع الحالي آمن: ويمكن لتركيا أن ترسل للسعودية رادارات، ومنظومات دفاع جوي من طراز HİSAR،وطائرات مسيرة Bayraktar ، وخبراء فنيين، دون أن يتحمل الناتو أي مسؤولية.
لكن الخطر الحقيقي قد يبدأ عند الانتقال من الدعم التقني إلى القتال المباشر؟.وهنا لو شاركت قوات تركية في عمليات ضد الحوثيين في اليمن وتعرضت جغرافية تركيا لهجوم انتقامي،هنا قد تحصل المعضلة الأخطر؟:
هل سيعتبر الناتو ذلك الهجوم على الأراضي التركية يستوجب تفعيل المادة الخامسة؟ أم سيعتبره الناتو نتيجة مغامرة تركية خارج مهام الحلف؟،وهل بالمقابل ستقبل دول مثل فرنسا واليونان بالانجرار إلى حرب بسبب تركيا؟.
التاريخ يقول: إن المادة الخامسة لحلف الناتو ليست زر حرب آلي، فكل دولة تقرر ما تراه ضروريا، وقد يكون حينها دعما سياسيا فقط كما حدث بعد أحداث 11 سبتمبر في 2001 في الولايات المتحدة..
*4•الخلاصة:* ازدواج مدروس لكنه اختبار للنوايا••؟.
حيث تهدف تركيا اليوم من خلال اتفاق مكة تحقيق ثلاثة أهداف: توسيع نفوذها الاستراتيجي في الخليج.وفتح سوق ضخمة لصناعاتها الدفاعية.وبناء محور سني-إقليمي مع السعودية وباكستان النووية، مع البقاء تحت المظلة الغربية للناتو.وهذا الموقع والحال قد يمنح أنقرة ثقلا استثنائيا، لكنه قد يضعها أمام التزامات متداخلة.ونرى أن اتفاق مكة قد لا يتعارض مع الناتو ما دام في إطار الدعم الدفاعي، لكنه سيتحول إلى أول اختبار حقيقي لازدواجية التحالفات التركية إذا انتقلت أنقرة من بائع خبرات وسلاح إلى طرف مقاتل عضوي في حرب إقليمية لا يريد الناتو التورط فيها.،والسؤال الأهم:هل تستطيع تركيا التوقيع على اتفاقين؟،بل: هل تستطيع الوفاء بالتزامات اتفاق مكة دون أن تهز موقعها داخل الناتو عند أول حرب ..؟.
إن غدا لناظره قريب…
وإلى الله ترجع الأمور …











