استاذ دكتور طارق السامرائي/جامعة ترنتي
تزينت الجمعة الماضية ١١/٩/٢٠٢٦ بالذكري الخامسة والعشرون لهجمات 11 سبتمبر 2001 وبعد ربع قرن من ذلك الزلزال العالمي لا نزال في حاجة إلي تحليل ابعاد هذه الواقعة وتقصي حقيقتها ثم اعادة قراءة ما تبعها من سياسات أفرزت نتائج مهمة في أنحاء مختلفة من بلدان العالم ،كان أهمها التداعيات المتتالية علي بلدان الشرق الأوسط العربية والتي ربطت حقا وباطلا بها .
والقراءة في هذه الزاوية لا زال يشغل المفكرين والمحللين وعلاقة تلك الهجمات (في معين الشكوك والتخمين ) بشأن مرتكبيها ودوافعهم ومصادر دعمهم بل الأكثر عجبا واستغراباً (اسباب وقوعها أصلاً)
اذ آلت التحاليل والأصوات التي تنفي وقوعها وتعتبر العملية برمتها (غير حقيقية او ربما مدبرة )
ولا تجاري أقوال الولايات المتحدة الأمريكية لتبرير ما حدث لاحقا من اندفاع همجي أمريكي نحو التوجهات المعارضة لسياستها والتي فسرت الأمر بأنه (خدعة أمريكية كبري )وهو فيلما خيالياً امريكياً،وربما اراء اخري تنطلق من (نظرية المؤامرة نفسها )وهو النحو الأقرب للواقع بحيث ان (البرجين اسقطا عمدا بتفجيرات من الداخل وليس بطائرات او وسائل خارجية )
ويستشهد المحللين علي صحة هذا الادعاء بتفسيرات فنية وهندسية ومنها عدم توفر القدرة لدي متدربين حديثي التجربة في قيادة طائرات ضخمة والتحكم والتوجيه بدقة كما أظهرته وسائل الإعلام المرئية !
—————————————-
ماذا بعد سقوط البرجين لمركز التجارة العالمية ؟
————————————-
اندفعت الأولويات المتحدة الي سوق سياسات عدوانية واستقطاب العالم (اما معها او ضدها)وطرحت مصطلح (مكافحة الارهاب العالمي اينما وجد )،حيث هرول حلفاؤها أيا كان توجهه او موقفه ،حيث تم توجيه التهمة علي وجه الخصوص إلي مجموعة الدول العربية وبعضها الاسلامية وتحميلها عبءالتكفير عن ذنب شئ لم يكن في حيز التطبيق الكامل بل في خانة التخمين والشكوك في إقرار ضمني بمسؤولية نظم (التنشئة والتعليم والإعلام والاقتصاد والأعراف الاجتماعية في تلك الدول في اقدام المتهمين علي تنفيذ تلك الهجمات).
وبعد ربع قرن من هجمات (11سبتمبر )لم يصدر عن اي دولة عربية او إسلامية ما ينم عن طلب لامريكا في مراجعة اتهاماتها وقناعاتها التي فرضتها زورا وبهتاناً علي عالم العرب والمسلمين دون تفكير او دراسة فعلية رغم ثبوت وقوع واشنطن في اخطاء فادحة والتي افضت الي كوارث علي مدار التاريخ القريب !بل انكشفت في دورها الساذج وراء تأسيس معظم المنظمات الارهابية الدينية في العالم (تنظيم القاعدة وتنظيم الإسلامي الدولي داعش ومنظمات فلسطينية كما في حماس )وهي يفترض أن تكون المسؤول عن ( هجمات 11 سبتمبر ).
جماعات ضاعت فيها حسابات التفكير السياسي الأمريكي من منطلق المنفعة الي سلوكيات معادية لها .
طبقت واشنطن هذه السيناريوهات في نطاق واسع في العالم منذ التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المعسكر
——————————————الاشتراكي،بدأت أمريكا وبيد مفكريها من كيسنجر حتي دك تشيني وإداراتها للتفتيش عن (العدو البديل )وتحويله إلي واقع عملي جسدته فزاعتها المسماة (((الارهاب )))وجري تضخيمها وربطها حصراً (بالاسلام )
————————————————
بل وجعل الإسلام والعروبة مرادفاً لها .
خاضت ولا تزال أمريكا صراعاً مفتوحاً مع (الصين وعلاقة مذبذبة مع روسيا ،وعداء محمد ومقيد مع كوريا الشمالية ) وتصفها (بالمارقة او المتمردة )
لكنها لا تتجرأ عليها كما طبقته مع بعض الدول العربية والاسلامية والتي ترسمها دوماً (بدول الارهاب )ومنها
(العراق وفلسطين وايران واليمن )
———————————————-
ان مراجعة موضوع (11 سبتمبر)وما تلاه من حروب وازمات وتقيم ذلك ضروري جدا وهي لا تقتصر علي مراجعة موقف واشنطن ولا تنطلق من سرديتها للأحداث ولا ينبغي التسليم بكل ما تتفوه به واشنطن وما تتبعه من سياسات إلا بعد أن قياس ذلك (بمقدار مصالحها مع الشعوب والدول المستهدفة بها وبأمنها وطبيعة استقرارهما )
——————————————
أحيت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها عالمها المتحالف ذكري 25 لأحداث 11سبتمبر المأساوية والتي ادت بحياة 3 الاف شخص ،وقفت امريكا امام الاسماء وحكايات وصور ضحاياها وتكريم عدد من اعضاء الأجهزة الامنية والإطفاء والطوارئ وبعضا من المواطنين الذين وعلي لسان حكام امريكا الذين قضوا علي (اكبر هجوم ارهابي تعرضت له أمريكا في سياق حاضرها )
وسجلت اعداد ضخمة من كتب ووثائق وأشعار ومراثي لموتي هذه الحادثة ولم تتركهم لكي يتحولوا الي ارقام في سجلات التاريخ بل جعلت من المناسبة طقساً وطنياً وعالميا ومن اسماؤهم رموزاً وشواهد حية للمأساة ،وفي قاموس وناموس قيم الحياة هو (حق طبيعي ) لكل مجتمع وأمة واجه الارهاب وجرائمها !
بعد ربع قرن يبقي السؤال الملح :-(من يتذكر ضحايا 11سبتمبر غير الأمريكيين واليوم الذي ودعت فيه امريكا 3 الاف أمريكي !!!بدأت (
————————————————قصة اخري اطول وأكثر دموية
————————————————
لم يكن معظم ضحاياها يعرفون شيئا عن نيويورك ولا عن تنظيم القاعدة الارهابي ولا عن داعش الأمريكي الإيراني النشأة ولا حماس ولا ولا !بل ولا عن السياسة الأمريكية ولم يقتلوا ولم يختاروا الحرب التي فرضت عليهم .
————————————————
بأسم الخوف أصبحت أجراءات استثنائية جزءا من الحياة العادية وتحولت صلاحيات مؤقتة الي سلطات دا
كان للولايات المتحدة الأمريكية كل الحق والواجب في الدفاع عن أمنها القومي وملاحقة الجناة ومنع تكرارها ولكن نظرية (الدفاع عن النفس )بمرور الوقت تحول الي مشروع حروب مفتوحة وانتقائية وسياسات أمنية عسكرية تجاوزت حدود الاهداف المعلنة وتحولت النظرية من (الضرورة الي التفويض والتفويض الي سياسة دائمة والسياسة الي حروب .
وما كان يفترض أن يكون رداً مناسباً ودقيقا في اطار هجمات محددة بات (مشروعاً عسكريا وأمنيا امريكياً امتد لعقود )
واتسعت ساحاته لتشمل العراق وباكستان وافغانستان واليمن وليبيا وسوريا وغيرها .
وبقي هاجس الانتقام والقلق الامني جزءا من شخصية الإدارات السياسية الاميركية حاضراً حين الحاجة والطلب .
وتعلقت في عقول وقلوب الحكام الأمريكيين ان الحرب إلا مسؤولة حالة طبيعية لا تحتاج الي نهاية وبداية انما (استراتيجية )بلا التزامات قانونية وتشريعات وإنسانيات ،هكذا المرحلة وهكذا متطلباتها في العقل السياسي الأمريكي .
————————————————-
قامت جامعة براون في طرح مشرو ع استفتائي حول تكلفة الحروب الإمريكية الانتقامية عقب 11 سبتمبر 2001 ،خلفت ضحايا مباشرة وغير مباشرة بلغت 5.8 مليون وفاة ،اما الغير مباشرة فتبقي الرقم الاصعب لانها لم تنتهي برصاصة وانما بتدمير من مستشفيات وبني تحتية وسدود وجسور وعمارات وكهرباء ومصانع ومدارس وجامعات بل تدمير كل سبل العيش للإنسان .
والصورة المأساوية تظهر في معاداة العراق وايران وكوريا وافغانستان من تفنن في حصارات التجويع وقطع التجارة والتسويق والتعليم الي الحرب الشاملة المباشرة والقنابل المدمرة والتي لاحقا حاولت أمريكا ازالة مكياج الانتقام الي مكياج اكثر بشاعة عندما حولت المجتمعات الآمنة العربية والاسلامية الي عودة للمجهول ونشر كل امراض المجتمع الجاهلي وما قبل الثورة الصناعية
———————————————-
الكارثة في عدم التزام الاعتبارات الاخلاقية ونشر سيناريوهات شريعة الغاب .
———————————————-
هذه الأرقام الاحصائية ليست ارقام مجردة بل ارقام بشر وأطفال ونساء وشيوخ لهم عناوين وقصص ماتوا تحت الأنقاض او بسبب نقص الادوية والجوع وهناك امهات فقدن أبناءهن وآباء لم يعودوا الي آسرهم ومرضي ماتوا في المستشفيات بسبب نقص الادوية والعلاج او قتل الاطباء ومدن هجرت وأسر فقدت مصادر رزقها ،ثم اجيال نشأت وسط أزيز الطائرات وصوت المدافع !
——————————————-
تدمير العراق وفلسطين وليبيا دليل مؤلم لسياسة انتقام امريكا
———————————————-
اين اسماء هؤلاء الضحايا ؟من يقرأ عليهم الفاتحة ويبكي عند قبورهم حسرة ومن يستعيد صورهم ومن يضع الزهور علي قبورهم ؟؟
في الوقت الذي تخطي عناوين ضحايا 11 سبتمبر كل صفحات واعلام وأيام التذكير واحتساب العطل الرسمية وتجنيد الرؤوساء لوضع أكاليل الزهور للضحايا
لا يتعلق الأمر (بالمفاضلة )بين الضحايا كما لا ينبغي أن تكون مأساة ضحايا مبررا لنسيان مأساة ضحايا أخرين .
(حياة الإنسان لا تصبح اقل قيمة لانه ولد في بغداد او كابول او غزة او طرابلس او صنعاء او دمشق ) بدلاً من (نيويورك وواشنطن ولوس انجليس وفلوريدا )
فالطفل والنسوة والشيوخ الذين يموتون تحت وابل القنابل الانتقامية وصوت المدافع لا يصبح أقل استحقاقا للذكري لانه لم يحمل (سفر جواز او جنسية أمريكية وإنكليزية وفرنسية ).
————————————————
كان بالامكان ان يتوسع الإدراك العقلي السياسي الأمريكي بعد الهجمات لكي تستثمر التعاطف والتضامن العالمي لتصبح قوة تجمع ولا تفرق
تستقطب ولا تستنفر
تقود العالم إلي نظام دولي اكثر عدلا وأمنا !!!
لكنها وطيلة ربع قرن قدمت السياسة الأمريكية صورة سلبية وملامح دبلوماسية سيئة!!!
حروب طويلة الأمد
مشاريع التجويع وحجز الادوية ونشر الجهل
تدخلات عسكرية بلا أذن او طرق ابواب القانون
دعم او تدمير أنظمة داعمة او معارضة عسكرة البحار والقارات والتجارة والصناعة
——————————————-
جعلت العالم ينظر اليها وفي مجمل أنحاء العالم انها (((جزءا كبيرا من المشكلة بدل أن تكون جزءا من الحل )))
———————————————
العدالة في الذاكرة تقتضي عدم حجب الحقيقة حول ارقام ضحايا امريكا في حروبها الانتقامية
———————————————-
واليوم وبعد مرور 23عاما علي احتلال العراق و4 سنوات علي تدمير غزة نموذجان للإعدالة والا قانونية دولية او محلية تستمر ردود فعل انعكاسية للنعرة (الانتقامية )للسياسة الأمريكية .
——————————————
الخلاصة ودروس مستقاة من حرب الانتقام الأمريكية
———————————————
السؤال العام
————————-
هل تعلمت امريكا شيئا من دروس حروب الانتقام ومن نوازع مأساة 11 سبتمبر ؟وهل يمكن أن تصبح حياة بعض الضحايا خرقاً للقيم الإنسانية ودعوة ظالمة للانتقام من الآخرين ؟
———————————————-
واذا كانت الاجابة لا
——————————-
وهو ما يفترض أن يكون جواباً بديهياً اخلاقياً وقانونيا !!!
نعم من حق امريكا ان تتذكر ضحاياها وتستحضر مأساتهم لكن :-
————————————-
العدالة في الذاكرة تقتضي أيضاً إلا تحجب الحقيقة وما سببته مشاريع الانتقام الأمريكي ضد دول عربية وإسلامية عابرة لمنظمات الارهاب التي أسهمت هي في صناعتها ونشوئها !
———————————————
11 سبتمبر بعد ربع قرن من اليوم لم تعد مجرد ذكري عابرة بل شاهدا تاريخيا علي ربع قرن من الحروب الانتقامية اعقبت ذلك اليوم !
ومع كل مضامين مصطلح الأسف
———————————————-
لم تتعلم ادارات السياسة الأمريكية من دروس ذلك اليوم الأسود حيث حولت أمريكا الرد علي الاعتداء الي إنتان مفتوح وحروب ضد شعوب وانتهاكات جماعية أطلقت دوائر جديدة من العنف !
———————————-
القوة لاتقاس بقدرات الدولة علي الرد فحسب بل بالقدرة (علي ضبط إيقاعات الرد ) واحترام القانون ومقاومة إغراء تحويل الخوف الي سياسة دائمة!
ولعل الحروب المستمرة التي اعقبت يوم 11 سبتمبر الأسود ليست سوي تجسيد :-
———————————————-
للعبارة التي نطق بها الحكيم (المهاتما غاندي
:-
(((العين بالعين يجعل العالم كله اعمي )))
وهو ما دعتنا اليه امريكا ونعيشه اليوم
———————————————-















