بقلم قدوري عربية مرافئ الحنين
أتعبتنا الدنيا بسنواتها، وأيامها، وساعاتها، وأثقلت أرواحنا بما حملت من تقلّبات الزمان،
حتى غدونا نعدّ الأيام بما خلّفته في القلوب من أثر، لا بما مضى منها من عمر.
أتعبتنا بأوقاتها كلّها؛ بغابرها الذي لا يغيب عن الذاكرة، وعابرها الذي مرّ كلمح البصر،
ومستترها الذي خبّأت لنا فيه من الابتلاء ما لم يكن في الحسبان.
كلّما مرّ بنا مُرٌّ، أورثنا مرارةً جديدة،
حتى صارت المرارة رفيقة الدرب،
تذكّرنا بأن الدنيا دار ابتلاء، وأن صفاءها عابر، وكدرها باقٍ ما بقي التعلّق بها.
نحاول أن نتذوّق ما بقي من أعمارنا، فتسبقنا مرارة القهر، وضيق العيش، ووحشة الحرمان،
فنقف بين أمنيات النفس وحقائق الواقع، نلتمس فسحةً من الطمأنينة، فلا نجدها إلا لحظات.
وما أشدّ افتقارنا إلى ما يُغنينا؛
فالغنى الحقيقي ليس بكثرة المال،
وإنما افتقارنا إلى ما يكفينا،
ويملأ قلوبنا قناعةً ورضًا،
ويزهدنا في زخارف الدنيا التي لا تنقضي مطالبها،
ولا تشبع نفوسًا تعلّقت بها. فكم من فقيرٍ أغناه الرضا،
وكم من غنيٍّ أفقره الطمع.
تبًّا لنفسٍ أمّارةٍ لا ترى في النعمة نعمة،
ولا في الكفاية كفاية؛
تظلّ تركض خلف السراب
، وتعد صاحبها بالسعادة، فإذا بلغها وجدها أبعد مما كانت.
غير أن المؤمن يعلم أن الدنيا ليست دار القرار، وإنما هي معبرٌ إلى دار البقاء؛ فما عند الله خيرٌ وأبقى،
وما يُزرع بالصبر يُحصد بالرضا،
وما يُحتسب عند الله لا يضيع.















