ظلت في ذاكرتي

بقلم: ليلى عمر
ظلت في ذاكرتي صرخات تلك الشجرة العجوز!!؟
حكاية من خلف زجاج النافذة.
في زوايا كل منزلٍ، وفي أركانه وجدرانه، قصص شتى تروى حتى …
تصبح ذكرياتها حكايات عالمية؛ فهي ليست قصتي وحدي، بل قصصنا وحكاياتنا جميعاً. ففي كل منزل، قصص ظاهرة وأخرى مخفية.بعضها نعلمها ونراها وأخرى نسمعها ولانراها والاكثر ألمًا تلك التي لانعلمها ولانسمعها. ولكن ؟
نراها في تلك الأعين الغائرة واللابتسامات الحزينة ؛
وحين كنت صغيرةً، وفي طريقنا إلى أي وجهة كانت,كنت أحتل مقعد السيارة الخلفي، ألصق كفي بزجاج النافذة، وأتأمل تلك المنازل المارة، متسائلة في سرّي: ماذا خلف تلك النوافذ؟ أضحكات تسكنها، أم حزن، أم ألم، أم دعاء خاشع؟
وفي أحد الأيام، خرجنا في رحلة طويلة، وتعطلت السيارة بنا في منتصف الطريق. جلسنا ننتظر أبي ريثما يعود بمصلح ينقذ الموقف. وبينما نحن ننتظر، لفت انتباهي منزل غريب توقفت السيارة أمامه؛ كان مؤلفاً من دورين يحيط به فناء واسع يضم شجرة عملاقة. بدت تلك الشجرة كأنها تجسيد حي للألم؛ فأوراقها تتنفس تعباً، وجذورها يغشاها الوهن، بينما تفرعت أغصانها وتشابكت كأنها تطبطب على بعضها البعض من شدة الخوف.
الدور الأول من البيت كان مظلماً وموحشاً، نوافذه مغلقة بإحكام، وستائره قديمة تجنبتها حتى غبار الغيم. أما الدور الثاني، فكان مضاءً بست نوافذ مفتوحة ترفرف ستائرها مع نسمات الهواء العليل. بعقلي الطفل ذاك، خمنت توزع الغرف: غرفتان للضيوف قرب الباب، تليها غرفة المعيشة، ثم ثلاث غرف نوم؛ الرئيسية للوالدين، وغرفتان للأبناء، فتاتان وولدان .
لمحت الولدين يلعبان في الفناء، لكنهما كانا محاطين بالخوف؛ يركضان بحذر، يتجنبان الاقتراب من تلك الشجرة أو اللجوء إليها، كأن أحدًا حذرهما منها أشد التحذير. وفي إحدى الغرف ذات النور الخافت، كانت فتاة تجلس إلى مكتبها قرب النافذة تقرأ وتضع سماعات على أذنيها، رغم أنها لا تسمع بها، بل كانت تقرأ الكلمات بعينيها المليئتين بالدموع. لكن… أين الفتاة الأخرى؟ ألا وجود لها إلا في مخيلتي؟ أوووه، ها هي! رأيتها، كانت متربصة في حضن أمها.
وماذا كان يحدث هناك؟ كانت الأم تجلس بذعر على كرسي قرب طاولة الطعام، تحضن الطفلة بقوة وعلامات الانزعاج ترتسم على ملامحها. وهناك، كان الأب يصرخ، ويضرب بكلتا يديه على الطاولة !ويدور حول الأم رافعاً صوته بغطرسة، وكلما علا صوته، ارتعدت الأم وضمت الطفلة إلى صدرها أكثر.
حينها، كأن الشجرة استجابت لذلك المشهد؛ فارتعدت فروعها، وبكت أوراقها، وصرخت أغصانها بنداء خافت موجع: «كفى! بالله عليك كفى! لقد أتعبتني سنين، دمرت عائلتك، وشتت إخوتهم، وأغلقت نوافذ بيتك حتى فرّ كل واحد منهم إلى مهربٍ بعيد كي لا يطالهم بطشُك، ونفوذك، وأوامرك، وتعجرفك. وها أنت الآن، تمارس نرجسيتك ذاتها، تبدأ من جديد لتفرض سطوتك وتعجرفك على زوجتك وبقية أولادك، وها… هم قد بدأوا يهلكون أنفسهم بالهرب منك ومن هذا الواقع المرير، كلٌّ على طريقته».
ومع صدى تلك الصرخات الصامتة التي أطلقتها الشجرة العجوز، شعرت ببرودة تسري في روحي الطفولية وأنا أراقب المشهد من خلف زجاج سيارتنا المعطلة. وكأن الغلاف الزجاجي للسيارة والنافذة التي أضع عليها كفي لم يعودا حاجزين، بل تحولان إلى نافذة أخرى على عالمٍ يتداعى.
لم تكن تلك الشجرة تفقد أوراقها عبثاً؛ لقد كانت تساقط خريفها إعلاناً لسقوط أرواحٍ أرهقها العيش في مهبّ ريحٍ عاتية من التسلط والأنانية. الولدان في الفناء تواصلا بنظرات خاطفة ومليئة بترقّب خفي؛ فهما ليسا طفلين يلعبان ببراءة، بل ناجين صغيرين يتدربان على الركض في حقل من الألغام، يدركان بالفطرة أن شجرة العائلة لا تظلل بل تخنق، وأن الأمان الحقيقي يكمن في النجاة الفردية قبل أن يلتهمهم طوفان البيت.
أما الفتاة الصامتة خلف زجاج الغرفة العلوية، والتي كانت تقرأ الكلمات بدموع حارقة، فقد أدركت طفولتي حينها سرها: لم تكن تحتاج السماعات لتسمع العالم الخارج، بل لتستمع إلى عالمها الداخلي الهارب من صخب الصراعات، أو لعلها كانت تعزل صوت أبيها الذي يهدم الجدران فوق رؤوسهم كل يوم.
وعندما عاد أبي وأصلح السيارة، ركبت بجانبه واحتضنته بقوة، وحمدت ربي في سرّي ألف مرة لأنه والدي أنا؛ الحنون الذي يدللني ويمنحني وعائلتي الحب والأمان، لا ذلك الجبار الذي يحول بيته إلى ساحة حرب تدق طبولها كل يوم دون توقف فقط لإرضاء غروره !،
لكن قلبي ظل معلقاً بذلك المنزل البعيد؛ فحزنت بشدة على تلك الأم التي تحترق بصمت، وتعيش ألماً خفياً يملأ روحها قهراً، وعلى أولادٍ يصارعون الخوف قبل أن يدركوا معنى الطفولة. أدركت حينها أن النعم العظيمة تبدأ من دفء العائلة، وأن أسوأ ما في الحياة ليس ألم السيارات المتعطلة على الطرقات، بل القلوب المتعطلة داخل بيوت لا تعرف الرحمة.
ومضت السنين، وكبرت، واختفت تفاصيل ذلك اليوم شيئاً فشيئاً، لكن حكاية “البيت ذي الشجرة الحزينة” ظلت محفورة في ذاكرتي. وفي كل مرة أُجبر فيها على عبور زقاق مظلم، أو أرى بيتاً مغلقاً بنوافذ موصدة، أتساءل: كم شجرةً أخرى تبكي بصمتٍ خلف الجدران، وكم طفلةً لا تزال تقرأ دموعها بصوت مسموع لمن لا يسمع؟

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24