السيدة فاطمة (النبوية) بنت الإمام الحسين

(أم اليتامي- أم المساكين – أم الحنان)
(رضي الله عنها)
بقلم الدكتور أحمد علي سليمان
عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية
شرَّف اللهُ (تعالى) الدنيا بالسادة الأنبياء والمرسلين، كما شرفها بالأولياء والصالحين، وعلى رأسهم آل بيت سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
كما شرَّف اللهُ مصرَنا الغالية -كنانة الله في أرضه- بعدد كبير من آل بيت سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وهذا التشريف منحة ومنّة وعطية وهدية من الله تعالى الوهاب المنّان لهذا البلد الذي ذكره الله بالتصريح والتلميح في قرآنه العظيم.
ولآل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حقوق علينا تتمثل في:
• محبتهم
• والاقتداء بجميل صنعهم
• والدعاء لهم
• ودراسة آثارهم
• وإحياء تاريخهم بعد تنقيته مما علق به من الدخيل والمدسوس، والباطل الذي أُقحم عليهم ولا يليق بمكانتهم؛ ليكون تاريخهم الصحيح، وعطاؤهم، وعلومهم الموثقة، مصدرًا من مصادر تكويننا الفكري والثقافي والاجتماعي.

نعم، ولمَ لا؟! فهم الحبل القوي المتين والممدود بيننا وبين سيدنا رسول الله (ﷺ)، سيد الخلق وحبيب الرب (سبحانه وتعالى)، سيدنا وسندنا، حبّنا وحبيبنا، سيدنا محمد (ﷺ).
وهم وصية سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (…أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتي…) (أخرجه الإمام مسلم).
وصدق الشاعر حين قال:
يا آلَ بيتِ رسولِ اللهِ حبُّكُمُ * فَرضٌ مِنَ اللهِ في القرآنِ أنزَلَهُ
كفاكُمُ مِن عظيمِ الفضلِ أنَّكُمُ * مَن لم يُصَلِّ عليكُم لا صلاةَ لهُ
وفي هذا المقال، نتناول شخصية مباركة يفوح من ذكرها والحديث عنها أريج من عطر النبوة؛ إنها بضعة من أهل البيت النبوي الشريف.
نسبها الشريف:
السيدة فاطمة بنت الحسين بن علي رضي الله عنهما، حفيدة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وسبطة سيدنا رسول الله (ﷺ)، ومن سيدات بيت النبوة اللواتي جمعن شرف النسب، ونبل الخلق، ورفعة العلم، وجميل العطاء.
جاء في كتاب فاطمة بنت الحسين، درة فواطم أهل البيت، لأبي معاذ السيد ابن أحمد بن إبراهيم من إصدار مبرة الآل والأصحاب بالكويت، سلسلة سير الآل والأصحاب، رقم (5)، سنة (1428هـ)، “أنها السيدة فاطمة بنت الإمام الحسين بن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعًا، ابن عبد المطلب، ابن هاشم، ابن عبد مناف.
إنها التابعية الجليلة، المحدِّثة، المربية الفاضلة، الصابرة المحتسبة.
نعم، هي دُرَّة الفواطم بعد جدتها السيدة فاطمة الزهراء (رضي الله عنها)، بنت سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل بأنها أطلق عليها (فاطمة النبوية) لتشبهها بجدتها السيدة فاطمة بنت سيدنا رسول الله.
وفاطمة بنت الحسين هي ريحانته، ونفحة من طَلْحَة الخير والجود، ووارثة الحسن والعلم والأدب من أمهاتها وجداتها، إنها سليلة النسب الشريف الكريم.
نشأتها:
نشأت السيدة فاطمة في بيت النبوة، وسط حنان الأب الشهيد، ورفق الأم الوافية، وبين الإخوة والأخوات. تلقت العلم والفضل، ونهلت من معين بيت النبوة، حتى شبت على الطوق.
مولدها:
لم تحدد كتب التاريخ والسير زمن مولدها على وجه الدقة، والراجح أنه كان بين سنتي (51 هـ – 53 هـ)، وقيل غير ذلك.
صفاتها وأخلاقها:
كانت كثيرة العبادة والذكر لله (سبحانه وتعالى)، عُرفت بالحكمة ورجاحة العقل، وتميّزت بالحياء، وكان كلامها بليغًا فصيحًا، مشبعًا بروح النبوة ومتأثرًا بهديها.
وقد تأثرت ببلاغة عمتها السيدة زينب -شقيقة الحسين والحسين- بنت سيدنا علي (رضي الله عنهم جميعًا).
وقد ذكر ابن كثير الدمشقي في معرض كلامه عن أحد الأحاديث التي روتها، فقال:
“وأما فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، وهي أخت زين العابدين، فحديثها مشهور، رُوي لها أهل السنن الأربعة، وكانت فيمن قُدم بها مع أهل البيت – بعد مقتل أبيها – إلى دمشق، وهي من الثقات.”
وذكرها ابن حبان في كتاب “الثقات “تهذيب الكمال (35/ 254)
روايتها للحديث:
روت السيدة فاطمة بنت سيدنا الإمام الحسين (رضي الله عنها) العديد من الأحاديث النبوية الشريفة، وممن روت عنهم:
– والدها الحسين بن علي (رضي الله عنه)
– أخوها سيدنا علي زين العابدين (رضي الله عنه)
– عمتها السيدة زينب (رضي الله عنها)
– عبد الله بن عباس (رضي الله عنها)
– أسماء بنت عميس (رضي الله عنها)
وقد روى عنها جمع من العلماء والمحبين.
زواجها:
جاء الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط بن علي بن أبي طالب، إلى عمه الإمام الحسين (عليه السلام) وسأله أن يزوجه إحدى ابنتيه.
فقال له الإمام الحسين: اختر يا بني أحبهما إليك.. فاستحيى الحسن ولم يرد جوابًا. فقال له الحسين: فإني قد اخترت لك ابنتي فاطمة فهي أكثرهما شبهًا بأمي فاطمة بنت رسول الله… أمّا في الدين.. فتقوم الليلَ كلَّه، وتصوم النهار، وأما في الجمال فتشبه الحور العين، فتزوجها الحسن وقد ولدت له.
وقيل إن الزواج كان في السنة التي استشهد فيها الحسين.
فاطمة النبوية.. أخلاق لا تهزمها المحن:
ولعل أبلغ ما يكشف معدن هذه السيدة الجليلة أن نتأمل حالها وهي تخرج من المدينة المنورة إلى كربلاء، ثم تنتقل بعد الفاجعة إلى الكوفة، والشام؛ فقد اجتمعت عليها:
• آلام الفقد
• ووحشة الطريق
• وثقل المصاب
• وما يحيط بالإنسان في مثل هذه اللحظات من خوف واضطراب.
ومع ذلك، فإن الموقف الذي يهز القلب ليس في حجم ما نزل بها من ألم فحسب، وإنما في قدرتها على أن تحمل هذا الألم دون أن تفقد صبرها واحتسابها.
 تتوجع، ولا تقسو
 تحزن، ولا تفقد صبرها
 تنكسر من الداخل، ثم تظل محافظة على كرامة النفس ونبل الخلق.
وهنا نفهم معنى الأخلاق على حقيقتها؛ فالأخلاق لا تُختبر حين تكون الحياة هادئة، والناس من حولنا كرماء، والظروف مواتية؛ وإنما تُختبر حين يُساء إلى الإنسان، وحين تضيق به الدنيا، وحين يكون له من الألم ما يبرر غضبه وقسوته؛ فإذا به يختار الرحمة والعطف والحنان، ويتمسك بالكرامة، ويحفظ قلبه من أن يتحول إلى نسخة من الألم الذي أصابه.
وهذه هي عظمة السيدة فاطمة النبوية: أن المحنة لم تغيّر أخلاقها، وإنما أظهرت أصالة ما تربّت عليه من صبرٍ وكرمٍ ورحمةٍ ووفاء. فكلما اشتدت عليها الظروف، بقيت ثابتةً على قيمها، محافظةً على إنسانيتها، مقتديةً بهدي جدها سيدنا رسول الله (ﷺ)، الذي أرسله الله رحمة للعالمين.
ومن هنا نفهم القوة بمعناها الصحيح؛ فليست القوة أن ترد الإساءة بمثلها، وإنما أن تملك نفسك، وأن تعفو عند المقدرة، وأن تحافظ على حسن خُلقك مهما تغيّرت الظروف. وليس النجاح في أن تخرج من المحنة منتقمًا، وإنما أن تخرج منها أكثر نضجًا وإيمانًا ورحمة.
وهكذا تقدم لنا السيدة فاطمة النبوية درسًا يتجاوز زمانها: قد تأخذ منا الأيام أحبةً، وتضع أمامنا من الصعوبات ما يختبر صبرنا؛ لكنها لا ينبغي أن تغيّر قيمنا، ولا أن تفسد أخلاقنا.
فاطمة النبوية في مصر:
جاءت السيدة فاطمة النبوية إلى مصر المحروسة وعاشت فيها سنوات فشرفت مصرنا ونورتها وباركتها…
كانت أنموذجا للعالمة والمحدثة والفقيهة التقية النقية المباركة التي ضربت أروع الأمثال في الكرم والعطاء والحنان، فكانت أول من اهتمت بإنشاء مكان لرعاية اليتامي والمساكين.
ولقد كان حضورها إلى مصر الكنانة امتدادًا لبيت النبوة الذي أحبَّه المصريون، وتعلقت به القلوب، ورأت فيه صلةً بسيدنا رسول الله (ﷺ) وأهل بيته الكرام.
وقد حفظت الذاكرة المصرية لها صورة المرأة الكريمة الرحيمة، حتى ارتبط اسمها باليتيم والمسكين والمحتاج، واشتهرت في الوجدان المصري بألقاب تدل على الرحمة والحنان ورعاية الضعفاء.
وتروي المصادر المصرية المتأخرة أخبارًا عن عنايتها باليتامى.
وهنا تبرز مناقب السيدة فاطمة النبوية (رضي الله عنها) التي جعلت شرف الانتساب إلى بيت النبوة خُلقًا يُرى، ورحمةً تُلمس، وعطاءً يصل إلى المحتاج. فشرف البيت النبوي لا يزكو بالأنساب وحدها على أهميتها، وإنما يزكو حين يتحول النسب الشريف إلى رسالة، والعلم إلى عمل، والمحبة إلى رحمة، والقدوة إلى جبرٍ للخواطر وخدمةٍ للإنسان.
وقد حفظت مصر لها مقامًا في قلبها وذاكرتها؛ فاشتهر مقام السيدة فاطمة النبوية بمنطقة الدرب الأحمر بالقاهرة.
وهكذا بقيت السيدة فاطمة النبوية في وجدان المصريين صورةً من صور الرحمة والحبل الممدود المتصل ببيت النبوة؛ عالمةً عابدةً، كريمةً صابرةً، يحمل اسمها معنى البر والحنان.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نقرأ سيرتها قراءةً تتجاوز الذكر إلى الاقتداء؛ فمحبة أهل البيت لا تكتمل بالكلمات وحدها؛ وإنما تُترجم إلى عمل: علمٍ نافع، ورحمةٍ بالضعفاء، وإكرامٍ لليتيم، وجبرٍ لخاطر المكسور.
فسلامٌ على السيدة فاطمة النبوية، بنت الإمام الحسين، وامتداد بيت النبوة، وسلامٌ على كل من أحب أهل البيت، فاقتدى بأخلاقهم، وحوّل محبتهم إلى علمٍ ورحمةٍ ووفاء.
فمحبة أهل البيت خُلُقٌ يُعاش، وأثرٌ طيبٌ يبقى.
وفاتها:
اختلف المؤرخون في تاريخ وفاتها؛ فقيل: توفيت عام (110هـ)، أو (117هـ) في مصر على الأشهر، ودُفنت فيها، ولها ضريح يُزار في زقاق يُعرف بزقاق (فاطمة النبوية)، وقد ذكر قبرها الرحالة ابن بطوطة، المتوفى سنة (779هـ)، في رحلته.
توفيت السيدة فاطمة النبوية ولها من العمر 70 عامًا، بعد أن ملأت بيئتها علمًا وحلمًا وصبرًا على البلاء وخلقًا رفيعًا، تاركةً أثرًا طيبًا فيمن حولها.
ويبقى حبنا لسادتنا آل بيت سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، مركوزًا في وجداننا، وراسخًا في قلوبنا، وفي كل يوم يزيد بفضل الله تعالى، وهو فرض وحتم على كل محب لسيدنا وسندنا حبنا وحبيبنا (صلى الله عليه وآله وسلم)… الذي حثَّنا على تدبر كتاب الله عز وجل، ورغَّب فيه، وحثَّنا على حب أهل بيته الكرام، وكررها ثلاث في قوله (صلى الله عليه وسلم): (…أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتي…) (أخرجه مسلم).
نسأل الله أن يرزقنا صدق محبتهم، وحسن الاقتداء بهم، والثبات على طاعته حتى نلقاه، وهو عنا راضٍ.
رحمها الله ورضي عنها وأرضاها، وجمعنا بها في مستقر رحمته، مع جدها سيدنا رسول الله (ﷺ)، وآل بيته الطاهرين، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
وبالله تعالى التوفيق
الدكتور/ أحمد علي سليمان
عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24