بقلم بلحمدي رابح /الجزائر
يُعدُّ الشاعر الدكتور علي ملاحي (من مواليد 1961 بولاية عين الدفلة) واحداً من أبرز الأصوات الشعرية في الجزائر المعاصرة. درس الأدب العربي في جامعة وهران، ثم نال الماجستير من جامعة عين شمس بالقاهرة، ليجمع بين الإبداع الشعري والنقد الأكاديمي، ويصبح أستاذاً للتعليم العالي في الأدب العربي، وعضواً في لجنة جائزة مفدي زكريا الأدبية.
ما يميز تجربة علي ملاحي الشعرية، كما تؤكد الدراسات النقدية، أنه (جعل قلمه وقفاً لوطنه الجزائر، فتغنى بمجده وآزره في محنه) (عبد السلام، 2015). هذه العبارة الموجزة تحمل مفتاحاً لفهم مساره الشعري الممتد عبر ثلاثة عقود، من ديوانه صفاء الأزمنة الخانقة (1989) إلى البحر يقرأ حالته (2011) ثم العزف الغريب (2011)، حيث يقدّم نموذجاً فريداً لتطور الرؤية الوطنية في الشعر الجزائري المعاصر.
من خلال ثلاث قصائد مختارة من هذه الدواوين الثلاثة
مذكرة العشق الناتيء، والبحر يقرأ قصيدته، والعزف الغريب
يمكن تتبّع تحولات هذه الرؤية، وتلمس التحولات الجمالية والفكرية التي ميزت كل مرحلة من مراحل التجربة الشعرية لعلي ملاحي.
أولاً: الديوان الأول – صفاء الأزمنة الخانقة(1989)
القصيدة المختارة: مذكرة العشق الناتيء
صدر هذا الديوان عن المؤسسة الوطنية للكتاب سنة 1989، في مرحلة حساسة من تاريخ الجزائر، حيث كانت الرياح السياسية والاجتماعية تهب بعنف، مقدمة لتحولات كبرى. في هذا السياق، جاءت قصيدة مذكرة العشق الناتيء لتعبّر عن رؤية الشاعر للوطن في لحظة تأسيسية، حيث الماضي البطولي حاضر بقوة، والحلم الوطني لا يزال نضراً.
—الرؤية الفكرية: وطن الشهداء والذاكرة المجيدة
تُشكّل قصائد هذا الديوان، وعلى رأسها مذكرة العشق الناتيء، لوحة ملحمية كبرى، يستحضر فيها الشاعر الجزائر وطناً للشهداء والمقاومة، وذاكرة تتجدد عبر العشق المتأجج. يستهل الشاعر صوره بمشاهد تتشابك فيها الذاكرة الفردية بالذاكرة الجمعية:
تناهت إلى قلبها الذكريات،
الحقول استراحت إلى الماء في تؤده
سربلت شعرها في لجاج التطلع، واستنطقت
خصرها المشتهى…
هنا، تتداخل الأنثى (رمزاً للوطن أو للحبيبة) مع الطبيعة (الحقول والماء)، في لوحة تجمع بين الحسّي والرمزي. لكن هذا المشهد العاطفي سرعان ما يتحول إلى فضاء وطني، إذ تُقام الاحتفالات في ساحة الشهداء، وترتبط الذكريات بالحدث الوطني، وكأن العشق الشخصي لا يكتمل إلا بامتداده إلى العشق الوطني.
وتتجلّى الرؤية البطولية في مقاطع تخلد المقاومة وتكسر مشروع الاستعمار:
إنها حية في البنادق منذ انكسار الجدار اللئيم
انحدار الصليب… العظيم
فالبنادق ليست مجرد سلاح، بل هي رمز للحياة المستمرة، والصليب المنحدر يرمز إلى انكسار الهيمنة الاستعمارية. وهنا يُسقط الشاعر الماضي على الحاضر ليؤكد استمرارية روح المقاومة.
لكن التعبير الأبلغ عن هذه الرؤية يأتي في المقطع الذي يخلد الجزائر ذاتها:
الجزائر كانت مداد القصيدة.
كنا نسمي مجاديفها، الانتماء الفصيح،
مجاهدة،
يشهد الله، كانت مجاهدة الخلق والانعتاق.
فالجزائر ليست مجرد وطن، بل مداد القصيدة ذاتها، أي مصدر الإلهام والهوية والوجود. وهي مجاهدة ليس فقط في معناها العسكري، بل في معناها الوجودي الأوسع: مجاهدة الخلق والانبعاث، ومجاهدة التحديات التي تواجه الأمة.
وإلى جانب الصورة البطولية، يحضر الألم والمعاناة، لكنه ألم يتحول إلى طاقة صبر وثبات، وكأن الشاعر يرى في الألم شرطاً للكرامة:
والصبر من أنبياء الحقيقة
طوبى لنا في الخنادق،
وطوبى لنا في الزنازن
طوبى لنا في التغرب والارتحال…
فهذه البركة المزدوجة – للخنادق والزنازن معاً – تكشف عن رؤية ترى في المعاناة سبيلاً إلى الكرامة، وفي التضحية قيمة عليا لا تُقدّر بثمن.
الرؤية الجمالية: اللغة الملحمية والرمز الطبيعي
جمالياً، يتسم هذا الديوان باللغة الشعرية المكثفة، القائمة على الانزياح والمفارقة. ففي قوله:
الرذيلة كانت أمام البنفسج بعض انشغال
نرى كيف يحوّل الشاعر المفاهيم الأخلاقية المجردة إلى مشاهد بصرية، حيث الرذيلة تقف أمام البنفسج في انشغال غامض، مما يخلق توتراً دلالياً يثير التأويل. وهذا الأسلوب يعكس انزياحاً دلالياً يمزج بين الجمالي والأخلاقي، ويجعل من الطبيعة مرآة للقيم الإنسانية.
وتتعدد الرموز الطبيعية التي تشكل قاموساً شعرياً خاصاً بالشاعر: البحر بمدّه وجَزْره، النخيل، السنابل، الحدائق، الشمس. هذه الرموز ليست زخرفية، بل تحمل دلالات وطنية ووجودية. فالبحر، مثلاً، يتكرر كرمز للجزائر:
قالت لنا البحر لغز السماء
وكرمز للحرية واللانهائي، لكنه أيضاً رمز للتقلب وعدم الاستقرار:
والبحر كانت طبيعته المد والجزر
وهذه الثنائية تعكس رؤية الشاعر للوطن ككيان حي متحرك، لا يسكن في جمود، بل يعيش حالة من التمدد والانكماش، مثل البحر تماماً.
أما البناء السردي فيعتمد على التداعي الحر، حيث تتنقل الصور والمشاهد دون التزام ببنية منطقية صارمة، وكأنها ومضات أو شذرات من وعي متدفق. هذا الأسلوب يمنح النص حرية ومرونة، ويترك للقارئ مساحة واسعة للتأويل، لكنه قد يجعله غامضاً في بعض الأحيان، وهو ما يمكن اعتباره جزءاً من جمالية النص.
ويتجلى الإيقاع الداخلي من خلال تكرار الكلمات المفتاحية (الذكريات، الحياة، الجزائر) واستخدام الجناس والطباق، كما في قوله:
كان المدى مستقيماً… نقي الخطى
فالمدى المستقيم يوحي بالوضوح والثبات، ونقاء الخطى يوحي بالطهارة والالتزام، مما يمنح العبارة موسيقى داخلية تعوض عن غياب الوزن الخارجي.
—ثانياً: الديوان الثاني – (البحر يقرأ حالته) (2011)
القصيدة المختارة: البحر يقرأ قصيدته
بعد نحو عقدين من الديوان الأول، صدر البحر يقرأ حالته عام 2011، في سياق عربي وإقليمي مختلف، حيث تراجعت الأحلام الوطنية الكبرى، وبرزت أسئلة الهوية والذات بقوة. في هذا الديوان، ينزاح صوت الشاعر عن الملحمة الوطنية الصاخبة نحو التأمل الصوفي والحميمية الوجودية، مع بقاء الوطن والجرح هاجساً مركزياً، لكن معالجته تصبح أكثر ذاتية وانفعالاً.
القصيدة المختارة من هذا الديوان هي البحر يقرأ قصيدته، التي تبدأ بعبارتها الشهيرة: أحاول أن أختفي في المقادير، لتعلن عن تحول جذري في الرؤية والأسلوب.
الرؤية الفكرية: الاختفاء في القدر والبحث عن الخلاص
تتكرر في هذه القصيدة عبارة أحاول أن أختفي في المقادير كلازمة رئيسية، تعكس رغبة الشاعر في الانصهار مع مصير كوني أوسع، وكأنه يبحث عن خلاص من ثقل الذات والهموم عبر التسليم المطلق. لكن هذا التسليم ليس استسلاماً، بل مفارقة شعرية؛ ففي لحظة محاولة الاختفاء، يمارس الشاعر أقصى درجات الحضور عبر الكتابة والعطاء:
سأعطيك من عزتي ما تبقي،
تريث لأشبك زغرودتي ويقيني.
سأعطيك من حالتي قدري…
لتكون البلاد التي سكنت مقلتين .
سأعطيك من فرحي أفقاً للخلود.
فهو يخلق من رغبته في الفناء أشد صور البقاء والتجلي، وكأن العطاء الوطني لا يكون إلا بفناء الذات الفردية في الذات الجمعية.
ويعكس الشاعر حالة تمزق وصراع داخل الذات والوطن معاً، في مشهد مؤلم:
شطروا روحنا قبلتين
ومائدة لضحايا السبيل،
ومائدة لدموع الحسين.
فالانقسام هنا ليس سياسياً فحسب، بل روحياً ودموياً؛ إذ تتحول المائدة التي يفترض أن توحد إلى رمز للفرقة والاستشهاد. الحسين هنا ليس مجرد شخصية تاريخية، بل رمز للثورة المظلومة، وللحقيقة التي تُقهر ولا تموت.
وكذلك في قوله:
جرحت النسيم المكابر
جرحت الطيور.. جرحت النسور
حيث يكسر الجرح حدود الجسد ليشمل الطبيعة والكائنات، وكأن الوطن المصاب ينزف على كل شيء. فالنسيم المكابر يرمز إلى الريح التي تقاوم، والطيور ترمز إلى الحرية، والنسور ترمز إلى القوة، والجميع مجروح، والجميع في حالة ألم واحدة.
على عكس الديوان الأول حيث كان النضال عاماً وجماعياً، يقدّم هذا الديوان نموذجاً للفداء ينبع من التفاصيل الخاصة جداً:
ونحن هنا عاشقان.
لنا طفلتان.. وحلم صغير.
وقبلها قال :
وكنا نرى الشهداء بقرب مخداتنا، كالنجوم
فالمعاناة الوطنية لا تُعاش في ساحات القتال فقط، بل في الغرفة الضيقة وفي تفاصيل الحب اليومي. يصبح الوطن قضية قلبية تُحمى كما يحمى العشاق بعضهم بعضاً، فتلتقي الحميمية بالملحمي في مشهد مهيب.
ويستدعي الشاعر تراثاً دينياً وتاريخياً (موسى، الحسين، بابل، الفينيقيين) ليس للفخر فقط، بل لوضعه في مرآة الحاضر المخيب:
ماذا لو الله أعطى العطايا،
مقابل ما في الحشا من نوايا
وهو تساؤل أخلاقي عميق عن جدوى التضحية في زمن تبدلت فيه الموازين، وعن علاقة النية الإنسانية بالاستجابة الإلهية. كما يصور البحر (رمز الجزائر في شعره) وقد أخضعوه وقيدوه، في صورة صارخة لاغتصاب حرية الوطن وسلب طبيعته المتموجة الحرة.
الرؤية الجمالية: التكرار الطقسي والانزياح المدهش
تُمنح القصيدة جماليتها من تكرار لازمتين رئيسيتين: أحاول أن أختفي في المقادير، التي تمنح النص طابعاً تأملياً وكأنها تعويذة أو دعاء، وتربت… تربت، وهي كلمة تختزل معنى التراب والانتماء والموت والبعث، وتعيد القصيدة إلى أصلها الأرضي كلما اقتربت من التعالي. هذا التكرار لا يُمِل، بل يخلق إيقاعاً ترنحياً ساحراً، يشبه حركة المد والجزر. وقد أفردت دراسات نقدية ظاهرة التكرار في شعر علي ملاحي بالتحليل، للكشف عن الدلالات الكامنة وراءها، وكذا الوقوف على الجمالية التي تضفيها على النصوص الشعرية
ويمتلك الشاعر قدرة فائقة على خلق صور شعرية مفارقة تجمع بين المتناقضات، فتخلق دهشة بصرية وفكرية. من أبرز الأمثلة في هذه القصيدة:
البحر يقرأ حالته صورة سريالية تخلع عن البحر قداسته المعهودة، وتجعل منه كائناً مادياً خاضعاً للرعي والاستغلال.
أرسم بالأسود الفاطمي مزج بين اللون (الأسود) والحضارة (الفاطمية) لإنتاج طقس حداد وجمالي في آن.
تساريح عشق قصيه
جعل العشق (له تساريح ) جزءاً من تفاصيل الزينة والجمال، وهو مزج مثير بين الحياة والموت.
ولا تخضع القصيدة للتسلسل الزمني الخطي؛ فهي تقفز بين الماضي الأسطوري (موسى، بابل)، والحاضر اليومي (فنجان الشاي، الصحون، السوق والخضر السنوية)، والمستقبل الموعود (الخلود، العرس الكبير). هذا التداخل يعكس رؤية الشاعر للزمن ككتلة واحدة، حيث يُقرأ المصير في تفاصيل اليوميات:
وكل الصحون أحاول أن أقرأ اليوم فيها
وأقرأ فيها الزمان القريب البعيدا
ويتكرر رمزا البحر والمرايا بقوة. فالبحر هو الوطن، الحرية، اللانهائي، لكنه في هذه القصيدة يُكسر ويُحد
لم يسقط البحر.. كان النشيد جزافاً،على عنق قابل للمزاد
مما يعبر عن خيبة أمل الأمة. أما المرايا فترمز إلى الذات والانعكاس والانكسار:
أنا وزعتي المرايا
وبات دمي شيقا في المقاهي
وكأنه يوزع صورته المنكسرة على الآخرين، لتتحول المرآة من أداة للتعرف إلى أداة للتشتت والمنح.
ثالثاً: الديوان الثالث – العزف الغريب (2011)
القصيدة المختارة: العزف الغريب
صدر الديوان الثالث العزف الغريب أيضاً عام 2011، لكنه صدر عن دار الجاحظية، مما يشير إلى تعدد الناشرين في مسيرة الشاعر. ورغم قرب تاريخ صدوره من الديوان الثاني، فإن الرؤية التي يحملها تختلف اختلافاً جذرياً؛ إذ تمثل تحولاً دراماتيكياً وحاسماً في تجربة علي ملاحي، حيث تنتقل قصيدته من الملحمة الوطنية ومن التأمل الصوفي إلى الملهاة السياسية المُرّة وقصيدة الاحتجاج الساخر.
القصيدة المختارة من هذا الديوان تحمل عنوانه نفسه: العزف الغريب، وكأن العزف على أوتار الوطن أصبح غريباً في زمن ضاعت فيه النغمات الوطنية تحت وطأة الفساد والانقسام.
الرؤية الفكرية: من الوطن المجيد إلى الوطن المزاد
السمة الأبرز في هذه القصيدة هي تحويل المفردات الوطنية إلى قاموس تجاري. حيث يختزل الوطن في سلعة تُعرض للبيع في سوق سياسي فاسد. الشاعر لا يتحدث عن مقاومة عسكرية، بل عن مقاومة الاغتراب الاقتصادي والسياسي:
يا أيها الفقراء والأجراء بيعوا واشتهروا
وطنكم سجادة (ملاحي، 2011ب، ص 45)
إنها دعوة ساخرة ومأساوية في آن، تعكس كيف تحولت هوية المواطن إلى مجرد “ورق مبدد في الرياح”، وقيمة إنسانية تباع وتشترى وفق مزاد السلطة:
أنت المواطن. أي نعم..
لكنك الورق المبدد في الرياح. (ملاحي، 2011ب، ص 38)
وينتقد الشاعر بشدة الانقسامات السياسية العقيمة، ويصفها بأنها لعبة لا طائل منها:
يأتي اليسار أو اليمين أو الوسط..
ماذا يهمك في الصواب.. أو الغطاء..؟” (ملاحي، 2011ب، ص 29)
ويُكمِل بسخرية لاذعة:
والشعب قد يعطي الزغاريد الندية للوسط…
ربما يأتي اليمين من اليسار مع الوسط” (ملاحي، 2011ب، ص 22)
هذا التناوب الساخر يُبرز عبثية المشهد السياسي، حيث تتحول الأحزاب إلى “لعب طفولية” (ملاحي، 2011ب، ص 27)، ويصبح المواطن مجرد متفرج على صراعات النخبة التي لا تغير من واقعه شيئاً.
القصيدة مليئة باتهامات مباشرة للنخبة الحاكمة، حيث يتهمهم الشاعر باستغلال المقدسات (الدين، الشهداء، الثورات) لتبرير الظلم:
وقد ظلموك.. قد ظلموك في الوادي
وفي النادي
وقد ظلموك إنسانا..
وقد ظلموك باسم الله..
باسم الدين والشهداء..
والثورات.
باسم الخضروات الطارجه..
باسم العدالة كلها..
باسم الزهور.. وباسم أكتوبر (5000)” (ملاحي، 2011ب، ص 35)
ويشير الشاعر هنا إلى أحداث أكتوبر 1988 التي شهدتها الجزائر، والتي كانت نقطة تحول في تاريخ البلاد السياسي والاجتماعي، ليتحدث عن (تجريب) الوطن و(تدريبه) على البكاء، وكأن النظام يحوّل الألم الجماعي إلى مهارة سياسية.
لازمة السؤال الأكثر حضوراً: (ماذا ستكسب؟)، تتكرر كالجوقة الحزينة، لتجسّد حالة التيه الجماعي. في كل مرة يطرح الشاعر هذا السؤال، يكون الجواب صفراً أو خيبة، وكأن المواطن الجزائري يعيش في دائرة مفرغة من الأمل الزائف والخيانة المتكررة، مختتماً بعبارة تجمع المرارة كلها:
(لا شيء يعطيني الوطن) (ملاحي، 2011ب، ص 18)
ليصل في النهاية إلى حقيقة مرة:
(أنت البلاد بلا بلاد) (ملاحي، 2011ب، ص 41)
الرؤية الجمالية: السخرية التي تدمي والإيقاع الاحتجاجي
تقوم القصيدة على أداة بلاغية فعّالة هي السؤال المتكرر (ماذا ستكسب؟)، (من أين لي أحد الوطن؟)، وهو سؤال لا يُنتظر له جواب، بل هو أشبه بالرجم بالغضب، يكشف عجز الواقع ويُحيل القارئ إلى حالة من الاشمئزاز من الحال السياسي.
تخلّى الشاعر هنا عن جديّة الملحمة ونبرة الصوفية الحزينة، واستبدلها بـسخرية سوداء تدمي. من أمثلة هذه المفارقات القاسية:
(أنت المواطن.. أي نعم..
لكنك الورق المبدد في الرياح.) (ملاحي، 2011ب، ص 38)
فهو يجمع بين الاعتراف الرسمي بالمواطنة ونفيها الفعلي. وكذلك:
(بيعوا واشتهروا، توت الحبة في الدروب) (ملاحي، 2011ب، ص 44)
وهي جملة تحمل في طياتها الدعوة إلى الانحدار الأخلاقي باسم الشهرة، وكأن القيم الوطنية أصبحت سلعة رخيصة.
وفي أحد المقاطع، يلجأ الشاعر إلى أسلوب تراكم الصفات المتناقضة ليصف المواطن بأنه:
المهادن،
والمختان،
والمقاتل،
والمجاهد،
والمشرد،
والمعدد. (ملاحي، 2011ب، ص 10)
هذا التزاحم اللغوي يعكس انفصام الشخصية الوطنية بين ما يُفترض أن يكونه المواطن وما صار إليه، وتعدد الأدوار التي يلعبها في مسرح السياسة الوطنية.
وتختلف هذه القصيدة جمالياً عن سابقتيها؛ إذ تقترب نبرتها من الخطبة السياسية والبيان الاحتجاجي، وتخلو من الموسيقى الداخلية العالية التي ميزت الديوان الأول، ومن الصور السريالية العميقة التي ميزت الديوان الثاني. لغتها أكثر باشرة ويومية (السوق، الدراهم، المقهى، الأساور)، وهذا الأسلوب “النثري” المتعمد يترجم حالة “التفكك” التي يعيشها النص والوطن معاً.
وانتهاء القصيدة بعبارة (فمعذرة) (ملاحي، 2011ب، ص 47) تكشف أن الشاعر يعتذر عن رؤية وطنه بهذا التشوه، لكنه يكتبها إلزاماً أخلاقياً وأدبياً، لتبقى القصيدة شاهداً على زمن ضاع فيه الوطن بين “اليسار واليمين” ولم يعد يجد أحداً يمسك به.
كخاتمة نقول إن ثلاثية ملاحي – رحلة النضال من المعركة إلى القلب إلى المزاد
يمكننا، من خلال هذه القراءة، رسم مسار تطور الرؤية الشعرية لعلي ملاحي عبر الدواوين الثلاثة، في جدول يلخص التحولات الكبرى:
المحور الديوان الأول (1989) الديوان الثاني (2011) الديوان الثالث (2011)
عنوان الديوان صفاء الأزمنة الخانقة البحر يقرأ حالته العزف الغريب
القصيدة المختارة مذكرة العشق الناتيء البحر يقرأ قصيدته العزف الغريب
الناشر المؤسسة الوطنية للكتاب (لم يذكر الناشر في النص) دار الجاحظية
الرؤية للوطن وطن الشهداء والبطولة والمقاومة وطن الذاكرة والجرح الداخلي والحب الأنثوي وطن المزاد والسلعة والصفقة السياسية الخاسرة
صورة الشاعر صائد المجد، حامل الراية عاشق يبحث عن الاختفاء في القدر متفرج ساخر، وضحية في سوق السياسة
الخصم العدو الخارجي (الاستعمار، الطغاة) القدر، الزمن، الانكسار الداخلي النخبة الحاكمة، الفساد، النظام الطائفي/الحزبي
الأسلوب صور ملحمية، رمزية طبيعية، لغة عالية سرديات ذاتية، صور سريالية، تكرار طقسي خطاب احتجاجي، سخرية لاذعة، لغة يومية نثرية
القيمة الكبرى التضحية والفداء الصبر والحب الصدق والفضح وكشف الزيف
ما يميز تجربة علي ملاحي هو استمرارية الحضور الوطني رغم تحولات الرؤية والأسلوب. ففي الديوان الأول، كان الوطن بطلاً ملحمياً، وفي الديوان الثاني، صار الوطن جرحاً داخلياً يُعاش في تفاصيل الحب والذاكرة، وفي الديوان الثالث، تحول الوطن إلى سؤال مرير عن الخيانة والضياع.
غير أن هذه التحولات لا تعبر عن تناقض، بل عن نضج وصدق في مواجهة التحولات التاريخية التي مرت بها الجزائر. فالشاعر الذي تغنى بمجد وطنه في مرحلة، لم يتردد في فضح انحرافاته في مرحلة لاحقة. وهذا هو جوهر الالتزام الوطني الحقيقي: ليس التغني بالمجد فقط، بل مواجهة الواقع بكل قسوته، وكشف الأقنعة التي يختبئ وراءها الفساد.
ويمكن القول، في النهاية، إن شعر علي ملاحي يمثل ملحمة وطنية ذاتية بامتياز، تقدم الجزائر ليس ككيان سياسي فحسب، بل ككيان روحي ووجودي، يعيش في الذاكرة والجسد واللغة. إنه شعر المقاومة بمعناها الشامل، مقاومة النسيان، مقاومة اليأس، ومقاومة تشويه الذاكرة والهوية. ورغم تحولات الأسلوب والرؤية، يظل السؤال الأعمق الذي يطرحه الشاعر على نفسه وعلى قارئه هو ذاته: كيف يمكن للوطن أن يبقى “ساعة من ذهب” في زمن تحول فيه كل شيء إلى سلعة في مزاد؟
………………………………………
قائمة المصادر والمراجع
عبد السلام، محمد. (2015). الاتجاه الوطني في الشعر الجزائري المعاصر. الجزائر: دار هومة.
بوعلام، رشيد. (2010). جماليات الانزياح في الشعر الجزائري الحديث. وهران: مخبر الدراسات الأدبية.
نويوة، فاطمة. (2019). ظاهرة التكرار في شعر علي ملاحي، مجلة إشكالات في اللغة والأدب، العدد 8، ص 210-225.
ملاحي، علي. (1989). صفاء الأزمنة الخانقة. الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب.
ملاحي، علي. (2011). البحر يقرأ حالته. (د.ن): (د.م).
ملاحي، علي. (2011ب). العزف الغريب. الجزائر: دار الجاحظية.









