البروفيسور رشيد كوراد والمنهج السوسيونصي: المرجعيات النظرية والامتدادات التطبيقية (في بهو المدرج.. لقاء المنهج بحضوره)

بقلم: رابح  بلحمدي /الجزائر

ما بين رفوف مكتبة كلية الادب العربي واللغات الشرقية ، وفي بهو المدرج الأكاديمي الشاهق بجامعة الجزائر 2 – أبو القاسم سعد الله – ببوزريعة، كانت تلك اللحظة التي تحول فيها المنهج النظري المجرد إلى حضور مادي، وإلى طاقة فكرية متدفقة. لم تكن مجرد مناقشة علمية عابرة، بل كانت مشهدًا أكاديمياً اكتملت أركانه؛ كان ذلك اليوم موعدًا مع مناقشة أطروحة الدكتوراه للطالبة الباحثة حمدي غنية، تحت عنوان: (التشكيل السوسيولوجي لشخصية المرأة في خطاب أحلام مستغانمي الروائي).

كان الجو مشحوناً بذلك التوتر الجميل الذي يصاحب امتحان العمر، لكن حضور الأستاذ المشرف، البروفيسور رشيد كوراد، كان كفيلاً بمنح الجلسة ثقلها وهيبتها، وبث فيها روح الحوار النقدي الرصين. جلس على رأس اللجنة بهدوء من يملك زمام المنهج، يوزع نظراته بين صفحات الأطروحة وبين وجوه الحاضرين، وكأنه يقرأ، في تلك اللحظة، أكثر من مجرد نص؛ كان يقرأ تفاعل الخطاب النسوي مع وقائع المجتمع، ويختبر قدرة (السوسيونصية) على كشف ما تخفيه اللغة من صراعات.

في تلك التفاصيل الصغيرة – صوت القلم يخط ملاحظاته، التوقف عند كلمة بعينها، ابتسامة الرضا عند كشف تناقض اجتماعي في السرد – شعرت بأنني لست أمام أستاذ يمارس مهنته فحسب، بل أمام ناقد حفري، يعيد تشكيل الأرضية النظرية للمنهج وكأنها مشهد حي. كان كوراد في تلك اللحظة تجسيداً حياً لمشروعه النقدي: قارئاً دقيقاً للتفاصيل، وواعياً بأن أي خطاب، حتى لو بدا ذاتياً خالصاً، هو ابن بيئته وصراعاته.

لم يكن ذلك اللقاء مجرد صدفة أكاديمية، بل كان خيطاً ناظماً يربط بين ما كنت تقرأه في نظريات كلود دوشيه وإدمون كروس، وبين ممارسة نقدية جزائرية حية. شعرت بسعادة غامرة، هي خليط من دهشة التلميذ وفضول الباحث، وأنا أرى كيف يتجسد (الاجتماعي النصي) ليس في الكتب، بل في بهو الجامعة، وفي أسئلة اللجنة، وفي دفاع الطالبة عن رؤيتها. كان المشهد برمته أشبه بجلسة سردية باختينية، تتصارع فيها الأصوات وتتكامل، لترسم في النهاية صورة الأكاديميا كما ينبغي أن تكون: حياة لا جمود، وحوار لا وصاية، وفكر يبحث عن أصوله في صميم الواقع.

من هنا، ومن تلك اللحظة التي طُبعت في الذاكرة، انطلق هذا الفصل، ليس بصفته عرضاً نظرياً بارداً، بل كمحاولة لرصد كيف يمكن لمنهج (السوسيونصية) أن يغادر جدران المكتبات ليعيش في ضمير ناقد جزائري، وكيف حوّله البروفيسور رشيد كوراد من مجرد أداة فرنسية إلى مشروع نقدي جزائري بامتياز، يمسك بخيوط التراث والحداثة، ويحاور النص من داخله كما يحاور التاريخ من خارجه.

المبحث الاول البروفيسور رشيد كوراد ومساره العلمي:

يُعدّ البروفيسور رشيد كوراد واحداً من الأسماء البارزة في المشهد النقدي الجزائري المعاصر، وأحد أبرز من نحتوا لأنفسهم مساراً أكاديمياً فريداً يجمع بين التنظير النقدي الرصين والتطبيق المنهجي الدقيق. ينتمي كوراد إلى الجيل الذهبي من النقاد الجزائريين الذين تلقوا تكويناً أكاديمياً متميزاً، ثم انخرطوا في حركة النقد الثقافي والأدبي محلياً وعربياً، تاركين بصماتهم في حقول معرفية متعددة.

يحمل البروفيسور رشيد كوراد درجة الأستاذية في النقد الأدبي بجامعة الجزائر 2 (أبو القاسم سعد الله)، ويشغل موقع العضوية في مخبر الترجمة والمصطلح بالجامعة ذاتها. وقد تقلّد مسؤوليات إدارية رفيعة، كان أبرزها منصب نائب مدير الجامعة للبيداغوجيا، مما يعكس ثقة المؤسسة الأكاديمية في كفاءاته العلمية والإدارية، ويشير إلى قدرته على الجمع بين الاشتغال الأكاديمي الدقيق والاضطلاع بمسؤوليات قيادية.

يعكس المسار العلمي لكوراد نموذجاً نادراً للأكاديمي الموسوعي الذي لا يقف عند حدود تخصصه الضيق، بل يتجاوزه إلى حقابف معرفية مجاورة: الفلسفة، علم الاجتماع، اللسانيات، السيميائيات، وتحليل الخطاب. هذه الموسوعية هي ما مكّنه من تأسيس مشروع نقدي متكامل، لا يكتفي بتطبيق المناهج الجاهزة، بل يحاول إعادة تشكيلها في سياق عربي-جزائري خاص.

التكوين الجامعي:

على الرغم من ندرة المعطيات التفصيلية حول مناحي تكوينه الجامعي الأولي في المصادر المتاحة، فإن ما يمكن استخلاصه بثقة من كتاباته وأبحاثه أنه تلقى تكويناً جامعياً رصيناً في النقد الأدبي والمناهج النقدية الحديثة، وأن مساره الأكاديمي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بجامعة الجزائر 2، حيث قضى معظم حياته العلمية بين التدريس والبحث والإشراف والتأليف.

وتشير مراجع أعماله إلى إلمام عميق بالمدارس النقدية الغربية، ولا سيما:

الماركسية في نسختيها الفلسفية والأدبية.

البنيوية التكوينية عند لوسيان غولدمان.

الواقعية الجدلية عند جورج لوكاتش.

الحوارية وتحليل الخطاب عند ميخائيل باختين.

السيميائيات والتفكيك عند رولان بارت وجيرار جينيت.

فلسفة الخطاب عند ميشيل فوكو.

السوسيونصية عند كلود دوشيه وإدمون كروس وبيير زيما.

هذا التكوين النظري الواسع جعل من كوراد ناقداً قادراً على التنقل بين المدارس النقدية المختلفة، واستيعاب مفاهيمها، ثم إعادة صياغتها في إطار منهجي متجانس، يخدم مشروعه النقدي الخاص.

الاهتمامات النقدية:

تتوزّع اهتمامات رشيد كوراد النقدية على محاور رئيسة عدة، يمكن حصرها على النحو الآتي:

  1. الرواية الجزائرية

يُعد الطاهر وطار أحد أبرز الكتاب الذين شغلت أعمالهم حيزاً مهماً من اشتغالات كوراد النقدية. فقد خصّ رواية (اللاز)وقصة (الشهداء يعودون هذا الأسبوع) بدراسة معمّقة تناول فيها إشكالية إعادة إنتاج التاريخ في الخطاب الروائي، متتبعاً آليات اشتغال الماضي في الحاضر، وموظفاً أدوات السوسيونصية لكشف الصراعات الطبقية والإيديولوجية التي رافقت الثورة التحريرية. كما اهتم بتجربة أحلام مستغانمي الروائية، ولا سيما من حيث (التشكيل السوسيولوجي لشخصية المرأة في خطابها الروائي)، وهو ما يؤكّد حضور مناقشته لأطروحة الدكتوراه حول هذا الموضوع بجامعة الجزائر 2.

  1. المناهج النقدية

تركّزت اهتمامات كوراد المنهجية حول “سوسيولوجيا النقد الروائي” بين “رؤية العالم” و”المقاربة الديالوجية”، وقد تجلّى ذلك في مقاله المحوري الذي يحمل هذا العنوان، حيث سعى إلى المزاوجة بين المنظور الغولدماني (الذي يركز على رؤية العالم للطبقات الاجتماعية) والمنظور الباختيني (الذي يركز على الحوارية وتعدد الأصوات). كما اهتم بـ المنهج السوسيونصي بوصفه مقاربة نقدية تجمع بين التحليل النصي الدقيق والوعي بالبعد الاجتماعي للخطاب، محاولاً تطويره وتأصيله في السياق الجزائري والعربي.

  1. الأدب النسوي

أولى كوراد اهتماماً خاصاً بالكتابة الأدبية النسوية في الجزائر والعالم العربي، متتبعاً بواكير هذه الكتابة والتحولات التي شهدتها في مسيرتها الإبداعية. وقد اهتم بـ انشطار الذات في الرواية السيرذاتية النسوية العربية وتجاذب الذاتي والموضوعي في السيرة النسوية العربية، في إطار مشروع نقدي يرصد تحولات الذات الأنثوية في الخطاب الأدبي، ويقرأها في علاقتها بالسياق الثقافي والاجتماعي والسلطوي.

  1. السيرة الذاتية

درس كوراد إشكاليات السيرة الذاتية بوصفها جنساً أدبياً قائماً بذاته، متناولاً قضايا الميثاق السيرذاتي، والعلاقة بين الذاتي والموضوعي، والتداخل بين السيرة والرواية، متأثراً في ذلك بفيليب لوجون وإيميليا العيد وشيرين أبو النجا. واهتمامه بالسيرة الذاتية لم يكن من باب الفضول النظري المجرد، بل كان امتداداً لمشروعه السوسيونصي الذي يرى في كل خطاب، بما في ذلك الخطاب السيرذاتي، بنية اجتماعية تستحق التفكيك والتحليل.

الإشراف على الرسائل الجامعية:

أشرف البروفيسور رشيد كوراد على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعة الجزائر 2، مما أسهم في تكوين جيل من الباحثين والنقاد الجزائريين، ونشر الوعي بالمناهج النقدية الحديثة في الوسط الأكاديمي. ومن أبرز هذه الإشرافات:

أطروحة الدكتوراه حول (التشكيل السوسيولوجي لشخصية المرأة في خطاب أحلام مستغانمي الروائي) (للطالبة حمدي غنية)، التي تعكس حضور المنهج السوسيونصي في مقاربة الخطاب الروائي النسوي، وتكشف عن قدرة هذا المنهج على تفكيك تشكلات الذات الأنثوية في علاقتها بالواقع الاجتماعي والإيديولوجي.

رسائل وأطروحات تناولت المنهج السوسيونصي تطبيقاً على نصوص روائية جزائرية وعربية، مما يؤكد دوره في نشر هذا المنهج وتأصيله في الوسط الأكاديمي الجزائري.

أطروحات تناولت إشكاليات السيرة الذاتية والرواية السيرذاتية، في سياق اهتمامه بقضايا الذات والهوية في الخطاب الأدبي، وهو ما ينسجم مع مشروعه النقدي الأوسع حول انشطار الذات وتجاذب الذاتي والموضوعي.

المشاركات العلمية:

شارك رشيد كوراد في العديد من الملتقيات والمؤتمرات الوطنية والدولية، من بينها:

ملتقى القاهرة الثالث للإبداع الروائي العربي (2005)، الذي نظمه المجلس الأعلى للثقافة في مصر، حيث قدّم أبحاثاً حول الرواية والتاريخ، في إطار اهتمامه بالعلاقة بين الخطاب الروائي والوقائع التاريخية.

ندوات ومؤتمرات علمية في جامعة الجزائر 2 حول النقد الأدبي والمناهج النقدية الحديثة، حيث قدّم أوراقاً بحثية في سوسيولوجيا النقد، والحوارية، والسوسيونصية.

ملتقيات وطنية ودولية حول الأدب النسوي والرواية الجزائرية، أسهم فيها بأبحاث معمّقة في مجال الأدب النسوي والخطاب الروائي الجزائري.

أهم المؤلفات والمقالات:

يمكن حصر الإنتاج العلمي لرشيد كوراد في المنشورات الآتية:

(سوسيولوجيا النقد الروائي بين “رؤية العالم” و المقاربة الديالوجية) (مجلة اللغة والأدب، العدد 24، 2015). يُعدّ هذا المقال من أهم أعماله التنظيرية، حيث يجمع فيه بين المنظور الغولدماني (رؤية العالم) والمنظور الباختيني (المقاربة الديالوجية) في تأسيس مقاربة نقدية مركّبة.

الطاهر وطار من (اللاز) إلى (الشهداء يعودون هذا الأسبوع): إشكاليات إعادة إنتاج التاريخ” (مجلة المدونة، العدد الثاني). دراسة تطبيقية معمّقة تتناول كيفية تعامل الطاهر وطار مع التاريخ في روايته وقصته، وتكشف عن رؤية نقدية ماركسية/تقدمية في تحليل الصراعات الطبقية داخل الثورة التحريرية.

من الأسطوري إلى المنولوجي: تجربة الهدم والبناء السردي في رواية تجربة في العشق للطاهر وطار – دراسة تتناول التحولات السردية في رواية الطاهر وطار، وتكشف عن آليات اشتغال الأسطورة والمنولوج في بنائها.

انشطار الذات في الرواية السيرذاتية النسوية العربية” (بالاشتراك مع د. رؤوف مشروم) – دراسة تنم عن اهتمامه بقضايا الذات والهوية في الكتابة النسوية، وتكشف عن مفارقات الذات الساردة/المكتوبة في الرواية السيرذاتية.

تجاذب الذاتي والموضوعي في السيرة النسوية العربية: ‘امرأة الأرق’ لميرال الطحاوي أنموذجاً (بالاشتراك مع د. رؤوف مشروم، مجلة المدونة، العدد 10، 2026) – دراسة تطبيقية على سيرة ميرال الطحاوي الثقافية، تبحث في إشكالية التوازن بين البعد الذاتي والموضوعي في الخطاب السيرذاتي النسوي، وتكشف عن آليات الاجتماعي النصي في السيرة الثقافية.

الكتابة الأدبية النسوية في الجزائر: من الإرهاص إلى التأسيس – دراسة تاريخية ونقدية لتطور الكتابة النسوية في الجزائر، تتعقب مسارها من البدايات المتواضعة إلى النضج الفني والنقدي.

مكانته في النقد الجزائري المعاصر:

يحتل رشيد كوراد مكانة مرموقة في النقد الجزائري المعاصر، ويمكن تحديد معالم هذه المكانة في النقاط الآتية:

التنظير والتأصيل: يُعدّ من الأوائل الذين حاولوا تأصيل المنهج السوسيونصي في السياق النقدي الجزائري والعربي، من خلال مزجه مع المناهج النقدية الأخرى (البنيوية التكوينية، الحوارية، السيميائيات) لإنتاج مقاربة نقدية عربية ذات طابع خاص.

التطبيق والإنجاز: لم يكتفِ كوراد بالتنظير المجرّد، بل قدّم قراءات تطبيقية معمّقة على نصوص روائية جزائرية وعربية، مما جعل مشروعه النقدي مشروعاً متكاملاً يجمع بين النظرية والتطبيق، ولا ينفصل فيه القول عن الفعل.

التكوين الأكاديمي: أسهم من خلال إشرافه على الرسائل الجامعية في تكوين جيل من النقاد الجزائريين، ونشر الوعي بالمناهج النقدية الحديثة في الوسط الأكاديمي، وخلق مدرسة نقدية تلاميذية تستوعب الجديد وتنقده في آن.

الحضور الثقافي: يشارك بفعالية في الملتقيات والمؤتمرات العلمية، وينشر أبحاثه في مجلات محكمة، مما يعزز حضوره في المشهد الثقافي الجزائري والعربي، ويجعل صوته مسموعاً في النقاشات النقدية الكبرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24