بين المتعة والسعادة والسكينة… حين يجد القلب طريقه إلى الله

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

قد يضحك الإنسان كثيرًا… ولا يكون سعيدًا.

وقد يكون سعيدًا في لحظة… ولا يكون مطمئنًا.

وقد يعيش إنسان في بيت متواضع، بدخل محدود، وحياة مليئة بالمسؤوليات، ثم يضع جبهته على الأرض في سجدة واحدة، فينهض منها وفي قلبه شيء لا تستطيع أموال الدنيا كلها أن تشتريه:

السكينة.

وهنا يكمن الفرق الذي نغفل عنه كثيرًا.

فليست المتعة هي السعادة، وليست السعادة هي السكينة.

وقد يجتمع الثلاثة في الإنسان، وقد يملك واحدًا منها ويفتقد الآخرين.

المتعة… لحظة جميلة لكنها عابرة

المتعة مرتبطة غالبًا بشيء يحدث لنا.

وجبة نحبها.

رحلة جميلة.

سيارة جديدة.

نجاح.

مال.

جلسة مع الأصدقاء.

ضحكة من القلب.

كل هذه أشياء جميلة، والإسلام لا يحرم الإنسان من الاستمتاع بما أحل الله له.

لكن طبيعة المتعة أنها مؤقتة.

تنتهي الرحلة.

ويصبح الهاتف الجديد قديمًا.

ونعتاد السيارة التي كنا نحلم بها.

وتنتهي الوليمة.

ويعود المسافر إلى بيته.

وتنتهي الضحكة.

ولهذا فإن الإنسان الذي يجعل المتعة غايته الكبرى يحتاج دائمًا إلى جرعة جديدة منها؛ لأن ما أسعده بالأمس قد يصبح اليوم أمرًا عاديًا.

المشكلة إذن ليست في أن نستمتع بالحياة…

المشكلة أن نطلب من المتعة أن تمنحنا شيئًا لم تُخلق لتمنحنا إياه: الطمأنينة الدائمة.

والسعادة… أعمق من المتعة

السعادة أوسع.

قد تأتي من أسرة تحبها، أو عمل تجد فيه معنى، أو إنجاز حققته، أو صحة، أو صديق وفيّ، أو شعور بالرضا عما وصلت إليه.

ولهذا قد يكون الإنسان سعيدًا دون أن يكون في تلك اللحظة مستمتعًا.

الأب الذي يتعب من أجل أبنائه قد لا تكون أيامه كلها ممتعة، لكنه يشعر بسعادة عميقة حين يراهم بخير.

والأم التي تسهر على طفلها المريض لا تستمتع بالسهر، لكنها تعرف معنى الحب الذي يجعل تعبها محتملًا.

فالسعادة لا تقول دائمًا:

أنا مرتاح.

أحيانًا تقول:

أنا متعب… لكنني أعرف لماذا أتعب.

ومع ذلك، تبقى هناك مرتبة أخرى أعمق.

السكينة… عندما يطمئن القلب وإن اضطربت الحياة

السكينة ليست أن تختفي مشكلاتك.

وليست أن يصبح حسابك البنكي ممتلئًا.

ولا أن يتوقف المرض.

ولا أن يعود من فقدته.

ولا أن تسير الحياة دائمًا كما تريد.

السكينة شيء آخر.

أن تضطرب الأشياء من حولك، ويبقى في داخلك موضع ثابت تعرف إلى مَن تلجأ فيه.

ولهذا قال الله تعالى:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[الرعد: 28].

تأمل التعبير القرآني.

لم يقل إن الأموال تطمئن القلوب.

ولا المناصب.

ولا الشهرة.

ولا كثرة الناس من حولنا.

إنما ربط طمأنينة القلب بذكر الله.

لأن الأشياء التي نملكها يمكن أن نفقدها…

أما الله سبحانه وتعالى، فبابه لا يُغلق.

الصلاة… ليست استراحة من الحياة، بل لقاء برب الحياة

وهنا تأتي الصلاة.

ونحتاج أن نصحح مفهومًا مهمًا:

الصلاة ليست مجرد خمس محطات نأخذ فيها استراحة من مشاغل اليوم.

إنها أولًا فريضة عظيمة فرضها الله على عباده.

وهي عبادة وخضوع وذكر ومناجاة وصلة بين العبد وربه.

لكن من رحمة الله أن جعل في هذه الفريضة نفسها راحةً للقلب.

ولهذا لم يقل رسول الله ﷺ لبلال رضي الله عنه:

أرحنا منها.

بل قال:

«يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها»، وهو حديث صحيح.

وبين منها وبها عالم كامل من المعاني.

هناك من ينظر إلى الصلاة كأنها شيء يريد الانتهاء منه ليعود إلى حياته.

وهناك من يفهمها على أنها المكان الذي يذهب إليه عندما تثقل عليه الحياة.

يدخل الصلاة وهو يحمل هموم العمل، والمال، والأبناء، والمرض، والديون، والخوف من المستقبل…

ثم يقف ويقول:

الله أكبر.

وكأن أول كلمة في الصلاة تعيد ترتيب الأشياء كلها:

الله أكبر من المشكلة.

وأكبر من الخوف.

وأكبر من الرزق الذي أخشى فقده.

وأكبر من الإنسان الذي ظلمني.

وأكبر من المستقبل الذي يقلقني.

ثم يسجد…

وهنا يصل الإنسان إلى أعظم موضع من العبودية؛ يضع أشرف ما فيه، وجهه، على الأرض، ويعلم أن فوقه ربًا يسمعه ويراه ويعلم ما لم يستطع أن يقوله لأحد.

عندما لا تجد أحدًا… تجد رب الناس.

قد يأتي يوم لا يستطيع الناس مساعدتك فيه.

ليس لأنهم جميعًا سيئون.

ربما لأنهم لا يستطيعون.

قد تطلب من صديق فلا يملك.

وتذهب إلى قريب فلا يعرف ماذا يفعل.

وتطرق بابًا فيغلق.

وتشرح مشكلتك لإنسان فلا يفهمها.

وقد يأتي عليك وقت تشعر فيه أنك وحيد أمام شيء أكبر منك.

لكن المؤمن لديه باب آخر.

إذا لم يجد الناس… وجد رب الناس.

ولهذا فإن التوكل ليس فكرة نظرية يرددها المؤمن.

إنه شعور عميق بأن الأسباب مهما كثرت فإنها لا تستقل بشيء عن الله.

نأخذ بالأسباب، ونعمل، ونعالج، ونخطط، ونسأل أهل الخبرة، ونطلب مساعدة الناس…

لكن القلب لا يتعلق بهم.

اليد تأخذ بالأسباب، والقلب يتعلق برب الأسباب.

«ما أصابك لم يكن ليخطئك»

وهنا تأتي مرتبة أخرى من السكينة: الإيمان بالقدر.

أن يعلم الإنسان أنه مهما أعاد شريط حياته وقال:

لو فعلت…

ولو لم أفعل…

ولو ذهبت…

ولو بقيت…

فإن هناك أشياء جرت بقدر الله.

وجاء في وصية النبي ﷺ: أن ما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

وهذا لا يعني ألا نتعلم من أخطائنا.

ولا أن نستسلم.

ولا أن نقول عن تقصيرنا: هذا قدر الله، ثم نكرر التقصير.

بل معناه ألا نسمح للماضي بعد وقوعه أن يأكل بقية أعمارنا.

نفعل ما نستطيع…

ثم نسلم لله ما لا نستطيع.

المؤمن لا يعيش بلا حزن

وهنا ينبغي أن نكون دقيقين.

الإيمان لا يعني أن المؤمن لا يحزن.

والصلاة لا تعني أن الإنسان لن يمرض.

والتوكل لا يعني أن الديون ستختفي صباح الغد.

والذكر لا يعني أن الحياة ستصبح بلا مصائب.

فالأنبياء أنفسهم ابتُلوا وحزنوا وفقدوا وتألموا.

لكن الفرق أن المؤمن عندما يسقط يعرف إلى أين يعود.

وعندما يبكي يعرف من يسمعه.

وعندما تضيق به الأسباب يعلم أن الله ليس سببًا من الأسباب…

بل هو رب الأسباب كلها.

ولهذا قال النبي ﷺ:

«عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير…»

فإن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له.

وهذه ليست دعوة إلى حب المصائب.

بل إلى ألا تسمح للمصيبة أن تسلب منك إيمانك ومعنى حياتك.

حتى الإنسان المخالف لك يبحث عن معنى

والبحث عن السكينة ليس خاصًا بثقافة دون أخرى.

فالبشر عبر الأديان والثقافات يلجؤون إلى عباداتهم وطقوسهم ومقدساتهم طلبًا للمعنى والعزاء والطمأنينة.

لكننا – من منظورنا الإسلامي – نعتقد أن التوحيد هو الأصل، وأن العبادة حق لله وحده، وأن القلب إنما يبلغ غايته في معرفة خالقه والتعلق به.

ولهذا لا نحتاج أن نسخر من الآخرين أو نزعم أن كل غير مسلم تعيس.

قد يكون غير المسلم غنيًا وسعيدًا في جوانب من حياته، وقد يكون المسلم حزينًا أو مبتلى.

لكن القضية أعمق من مقارنة ابتسامة بابتسامة.

السؤال هو:

حين تسقط الأشياء كلها من يد الإنسان… ما الشيء الذي يبقى في قلبه؟

قد تملك المتعة ولا تملك السكينة

قد تكون في أجمل فندق في العالم…

ولا تستطيع النوم.

وقد تقود أغلى سيارة…

وأفكارك تأكلك.

وقد يحيط بك آلاف المتابعين…

ولا تجد إنسانًا واحدًا تستطيع أن تبكي أمامه.

وقد تضحك أمام الجميع…

ثم تعود إلى غرفتك فتشعر بفراغ لا يعرفه أحد.

وفي المقابل، قد يدخل رجل بسيط مسجدًا صغيرًا، يصلي ركعتين، ويرفع يديه إلى الله، ثم يخرج ولم يتغير شيء في حسابه البنكي…

لكن شيئًا تغير في قلبه.

المشكلة ما زالت موجودة.

لكنه لم يعد يقف أمامها وحده.

بين المتعة والسعادة والسكينة

استمتع بالحلال.

وابحث عن السعادة.

وأحب أهلك.

وسافر.

واضحك.

واعمل.

وابنِ بيتك.

واجمع المال الحلال.

واصنع ذكريات جميلة.

فالإسلام لا يطلب منك أن تهجر الحياة.

لكنه يعلمك ألا تجعل قلبك معلقًا بشيء إذا زال انهار القلب معه.

فالمال نعمة…

لكنه ليس السكينة.

والصحة نعمة…

لكنها قد تتغير.

والأبناء نعمة…

لكنهم ليسوا مالكي أقدارنا.

والناس نعمة…

لكنهم قد يعجزون عنا.

ويبقى الله.

فإذا أقبلت إلى الصلاة، فلا تدخلها فقط بجسدك.

ادخل إليها بهمك.

وخوفك.

وحاجتك.

وضعفك.

وادخلها وأنت تعرف أمام مَن تقف.

وعندما تسجد، تذكر أنك قد وصلت إلى باب لا يحتاج إلى واسطة، ولا موعد، ولا معرفة بأحد.

باب مفتوح للفقير والغني، وللقوي والضعيف، وللسعيد والحزين.

ولهذا ربما نستطيع أن نختصر الفرق كله في ثلاث جمل:

المتعة تسعد الجسد للحظة.

والسعادة تُبهج الحياة حين تتوافر أسبابها.

أما السكينة… فهي أن يجد القلب ربَّه حتى عندما تفقد الحياة بعض أسباب سعادتها.

وهنا نفهم لماذا قال رسول الله ﷺ:

«أرحنا بها يا بلال».

فلم تكن الصلاة هروبًا من الحياة…

**بل كانت عودةً إلى مَن بيده الحياة.**

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24