بقلم نادية نواصر
الدكتور عماد خالد رحمة (المعروف أيضاً بأبي خلدون) هو كاتب وباحث ومحاضر عربي فلسطيني بارز، اهتم في مسيرته الفكرية بقضايا التاريخ، الهوية، والثقافة.
تعود جذور عائلته إلى مدينة طبرية الفلسطينية التي نشأ وتعلّم على حبها والارتباط بقضيتها.
ثم عاش في دمشق فكان من أبرز شخصياتها ومثقفيها، ومن دمشق إلى ألمانيا _برلين_ إشتغل هناك بالصحافة وواصل نضاله الثقافي مع الجالية العربية المقيمة هناك ، كما واصل عطاءه الفكري والأدبي ولم تثنيه هجرته عن حب الوطن الساكن في وجدانه فلسطين فظل يكتب إليها نصوص الوجع والحنين والحرية، منتظرا أن تشرق الشمس على وطنه الأم.
المجال العلمي والتخصص: متخصص في الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) والدراسات الثقافية والتاريخية، ويسعى دائماً لقراءة الإنسان والثقافة من منظور علمي ومعرفي عميق.
النشاط النقابي والمهني:
عضو اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين.
عضو مشارك في اتحاد الصحافيين السوريين.
عضو اللجنة الوطنية للبحث الأثري في سوريا.
نائب رئيس الهيئة العامة لحق العودة.
عمل باحثاً سابقاً في مركز الأبحاث الفلسطيني وفي مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية.
مدير المنتدى الفكري والأدبي.
والأدبي.
المؤتمرات: شارك في العديد من المؤتمرات العربية والعالمية المعنية بالشأن الثقافي والفكري والتاريخي.
طبيعة ونوع كتاباته
تتميز كتابات عماد خالد رحمة بالطابع الفكري والبحثي الرصين، ويمكن تصنيفها ضمن المجالات التالية:
الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية: يركز بشكل عميق على تحليل البنى التاريخية والاجتماعية، وربط الماضي بالحاضر من خلال دراسة تطور المجتمعات والهويات.
الفكر النقدي ومواجهة السرديات الاستعمارية: له اسهامات مهمة في تفكيك الخطابات التاريخية والدينية التي وظفت لخدمة المشروع الاستعماري؛ ومن أبرز مؤلفاته في هذا المجال:
كتاب: “البحث الأركيولوجي في مواجهة أنثروبولوجية التوراة”.
والعديد من الإصدارات في النقد والشعر وشهداء الجزائر ومناضليها.
د”.
الدراسات المتعلقة بالقضية الفلسطينية وحق العودة: بحكم انتمائه ومسيرته، تنصبّ العديد من مقالاته وبحوثه على توثيق التاريخ الفلسطيني، إبراز جذور الهوية الوطنية، والدفاع الفكري عن حق العودة ومقاومة محاولات طمس الذاكرة.
المقالات الفكرية والثقافية: يكتب بانتظام في الدوريات والمجلات العربية (مثل مجلات الدراسات الثقافية والفكرية)، متناولاً قضايا الفكر البشري، مجابهة التطرف والعنف، والحوار الحضاري
.1. شعره ودراساته النقدية
إلى جانب مشروعه الفكري والبحثي، يُعد الدكتور عماد خالد رحمة شاعراً وناقداً يمتلك رؤية جمالية ومعرفية واضحة في نصه الشعري والنقدي:
شعره: يتميز بامتزاجه بين النفس الملحمي والهطول العاطفي العميق. شعره ليس مجرد صور بلاغية، بل هو “شعرية فكرية” تتأمل الوجود، التاريخ، والوجع الفلسطيني. لغته محملة برموز وتناصات تاريخية ودينية وحضارية، وتتسم بالجزالة والتكثيف، حيث تتقاطع فيها الذات الفردية مع الجماعية.
دراساته النقدية: تميل رؤيته النقدية إلى التفكيك المعرفي والتحليل الثقافي للنصوص؛ فهو لا يكتفي بالقراءة الجمالية السطحية للقصيدة أو العمل الأدبي، بل يغوص في الدلالات الخفية، والبنية الفكرية، والخلفيات الأنثروبولوجية للنص، مع اهتمام خاص بنقد الخطاب الأدبي والتاريخي المرتبط بالهوية والمقاومة.
2. أنواع القصائد والمواضيع
تتنوع كتاباته الشعرية وتتوزع مواضيعها على محاور كبرى تعكس هويته الفكرية والنضالية، وأبرزها:
قصائد التفعيلة والقصائد العمودية: يكتب عماد خالد رحمة ضمن تيار الشعر العربي الملتزم (العمودي وقصيدة التفعيلة)، مستثمراً الإيقاع الداخلي والتدفق الموسيقي بما يخدم عمق الفكرة وحدة العاطفة.
مواضيع شعره ودراساته:
القضية الفلسطينية والهوية الوطنية: حضور طبرية، القدس، والوطن السليب كعناصر حية تنبض بالرفض والمقاومة والتأكيد على حتمية العودة.
الأنثربولوجيا والتاريخ الإنساني: توظيف الرموز الكنعانية والتاريخية العريقة في تشكيل لوحات شعرية تربط الإنسان بأرضه وجذوره الأولى.
الوجود الإنساني والذات: تأملات في معنى الوجود، الاغتراب، الزمن، الموت، والحياة بروح فلسفية عميقة.
العشق والوجع الإنساني: التغني بالحب كقوة مقاومة وبناء روحي في وجه القسوة والشتات.
دراسة لنص من نصوصه الشعرية ( حين أخطأ ألموت في الحساب
دراسة نقدية موسعة: “حين أخطأ الموت في الحساب” للشاعر عماد خالد رحمة
تُعدّ قصيدة “حين أخطأ الموت في الحساب” للشاعر عماد خالد رحمة نصاً شعرياً استثنائياً يشتغل على تخوم الشعرية والفلسفة والدراما الإنسانية. ينطلق النص من ثيمة أزلية وهي “الموت”، لكنه يعيد توظيفها عبر عدسة تجريدية مفارقة؛ ليحوّل الموت من مجرد قدر حتمي وقاطع إلى “محاسب متدرب” يتعثر أمام تعقيدات النفس البشرية ودفء الأمومة.
يؤسس الشاعر عالمه النصي على ثنائية كبرى: العدد في مواجهة الامتلاء الوجودي.
سقوط النعيم الإنساني (خطيئة الانفصال): يفتتح النص برؤية أنطولوجية تعيدنا إلى ما قبل “التدجين الحسابي” للعالم؛ حيث كان الوجود كتلة واحدة متصلة (الشجرة وظلها، الأم وطفلها). ويمثل “العد” أو “الرقم واحد” نقطة التحول الكبرى أو “خطيئة الانفصال الأولى” التي أفرزت الفردية والعزلة، وجعلت الإنسان رهيناً لخانة ضيقة في دفاتر الوجود.
الموت كمحاسب أعمى: يمثل الموت في القصيدة سلطة رياضية صلبة تؤمن بالمعادلات الصفرية (واحد ناقص واحد يساوي صفر). إنه يختزل الإنسان في مجرد رقم قابل للشطب، متجاهلاً أن الأثر الإنساني لا يُقاس بالعد بل بالباقي من الروح والذاكرة.
الأم كفلسفة مضادة (الامتلاء في مواجهة العدم): تبرز “الأم” رمزاً للخلود البشري والمقاومة الوجودية. إنها ترفض منطق الآلة والموت، وتقاتل بآليات الحب، والذاكرة، والتفاصيل الصغيرة (الطبقين، الكرسي، المعطف، الصوت). الأم هنا تثبت أن الإنسان “نسيج” متداخل وليست خرزة منفصلة يمكن نزعها دون إحداث عاهة في شكل الكون.
اعتمد الشاعر على تقنية “الدراما الشعرية” ، مما منح النص إيقاعاً سردياً مشوقاً يبعده عن التقريرية المباشرة:
طما يتوزع النص بين أصوات متعددة: الشاعر، الموت، الصفر، المحاسب، والأم. هذا التعدد يثرى النص ويجعله أشبه بحلبة صراع فكري بين منطق الفناء ومنطق الخلود.
أنسنة المجردات: نجح الشاعر في تجسيد مفاهيم مجردة مثل (الموت، الصفر، الحساب) وإعطائها ملامح بشرية وأفعالاً مادية (الموت يفتح دفتره، الصفر يدور ويخاف، الموت يمزق دفتره). هذا التكنيك يمنح النص بُعداً فانتازياً عميقاً يخدم الفكرة الفلسفية.
كما نلاحظ بتصاعد درامي يبدأ النص هادئاً، ثم يتصاعد تدريجياً عبر محاولات الموت المستمرة لاختزال الإنسان، إلى أن يصل الذروة حين تُخرج الأم قلبها وتضعه فوق دفتر الحساب ليهرب الصفر وتتلاشى الأرقام أمام طغيان “النبض”.
لغة النص لغة السهل الممتنع: تميزت لغة الشاعر بالوضوح والعمق في آن واحد؛ ابتعد عن التعقيد اللفظي أو الغموض المجاني، واختار مفردات يومية شفيفة (فنجان قهوة، كرسي، معطف، طبقين) وشحنها بدلالات ميتافيزيقية كبرى.
الصورة الشعرية المركبة: تتولد الصور في النص من رحم المفارقة الحادة؛ مثل صورة “الكرسي الذي يحفظ انحناءة الجسد” أو “الصفر الذي يخاف من الفراغ”، وصولاً إلى الصورة الكبرى المدهشة للنسيج:
”كل إنسان خيط في نسيج.. إذا انقطع خيط لم ينقص النسيج واحداً؛ بل تغير شكله.. وينفتح ثقب في مكان لم يكن فيه ثقب.”
المجاز الرياضي: وظف الشاعر مصطلحات الرياضيات والحساب (واحد، صفر، طرح، جمع، كسر، بسط ومقام) توظيفاً شعرياً بارعاً، وقلب دلالاتها؛ فالصفر لم يعد عدماً بل أصبح “امتلاءً بالغياب”، والواحد لم يعد وحدة إيجابية بل صار “بداية الانفصال”
تحسب لقصيدة “حين أخطأ الموت في الحساب” قدرتها العالية على إدهاش المتلقي عبر معالجة مبتكرة لثنائية الموت والحياة. لم يقع الشاعر في فخ البكائية التقليدية على الموت، بل صاغ خطاباً مقاوماً ينتصر للحياة والذاكرة ضد محاولات الإبادة الرمزية التي تمارسها لغة الأرقام.
النص في جوهره هو انتصار لـ “الحب” باعتباره الكينونة الوحيدة التي تسبق لغة الأرقام وتنجو من مقصلة الموت، ليتركنا الشاعر أمام خاتمة دافئة تُلغي المسافات بين الموت والحياة، وتجعل اللقاء الأخير على مائدة الأم تعبيراً عميقاً عن خالد أثر الإنسان.
سؤال تفاعلي:
حين أخطأَ الموتُ في الحساب
عماد خالد رحمة _ برلين
قبلَ أن يتعلّمَ الإنسانُ
أن يقولَ: واحد،
كان العالمُ
جسداً واحداُ
لا يعرفُ أينَ تنتهي
يدُ الشجرة،
وأينَ يبدأُ ظلُّها،
ولا أينَ ينتهي
نبضُ الأمِّ
ويبدأُ نبضُ طفلِها.
كان البحرُ
بحراً بلا عدد،
وكانتِ النجومُ
أخواتِ ظلامٍ واحد،
وكانتِ الريحُ
تمرُّ على الوجوه
ولا تسألُ أحداً:
مَن أنت؟
ثم جاءَ العدُّ،
ووضعَ إصبعهُ
على الأشياءِ
وقالَ:
هذا واحدٌ،
وهذا اثنان،
وهذا ثالثٌ
يمكنُ أن يُضافَ
إلى دفترِ العالم.
ومنذُ تلك اللحظة
بدأتِ الأشياءُ
تتعلّمُ الانفصال.
صارَ للبابِ
بابٌ آخر،
وللظلِّ
جسدٌ يسبقه،
وللإنسانِ
اسمٌ يحاصرهُ
في خانةٍ صغيرة.
ثم جاءَ الموتُ
بكفٍّ باردة،
ووضعَ إصبعَهُ
فوقَ جبينِ رجلٍ
كان يحبُّ أمَّه،
ويعرفُ الطريقَ إلى البيت،
ويتركُ فنجانَ قهوته
نصفَ ممتلئٍ
لأنَّه كان يؤمنُ
أنَّ الصباحَ
سيعود.
قال الموت:
واحد.
وكتبَ في دفتره:
ناقصُ واحد.
لكنَّهُ
لم يكن يعرفُ
أنَّ الإنسانَ
ليس رقمًا
يُحذفُ من السطر،
بل نافذةٌ
إذا أُغلقتْ
تغيّرَ شكلُ الضوءِ
في البيت.
ولم يكن يعرفُ
أنَّ غيابَ رجلٍ
قد يجعلُ كرسيّاً
أكثرَ وحدةً من مدينة،
وأنَّ صوتاً واحداً
إذا سكتَ
قد تصمتُ وراءهُ
أغانٍ كثيرة.
لهذا
حينَ بدأَ الموتُ الحسابَ،
كان يظنُّ
أنَّه يعرفُ الأرقام،
ولم يكن يعرفُ
أنَّ بعضَ البشر
أكبرُ من الحساب.
قالوا:
ماتَ واحدٌ.
فصفَّقَ الصفرُ
في آخرِ الدفتر،
وقالَ الواحدُ
وهو يحدِّقُ في المرآة:
نقصَ واحد.
لكنَّ أمَّهُ
رفعتْ رأسَها
من فوقِ مائدةٍ
لم تعدْ تعرفُ
لِمَ وضعتْ عليها
طبقين.
قالت:
كذبتم.
ليسَ ابني واحداً.
إنَّهُ
ضحكةٌ في جدار،
وخطوةٌ في الممرِّ،
ومفتاحُ بابٍ
كان يعودُ به
كلَّ مساء.
إنَّهُ
صوتي حينَ أناديه:
يا ابني…
فكيفَ تحذفونَ صوتي
وتقولونَ:
ماتَ واحد؟
قالَ المحاسب:
نحنُ لا نعرفُ
إلّا الأعداد.
قالت:
إذنْ
أنتم لا تعرفونَ البشر.
فابني
ليسَ واحداً.
ابني
بيتٌ كامل.
جاؤوا بدفترٍ
أبيضَ كالخوف،
وكتبوا اسمهُ
ثم شطبوه.
كتبوا:
كانَ هنا
إنسان.
ثمَّ صحَّحوا:
كانَ هنا
قبر.
ثمَّ أضافوا:
عددُ الأحياءِ: ناقصُ واحد.
عددُ الموتى: زائدُ واحد.
وأغلقوا الدفتر.
لكنَّ أمَّهُ
لم تغلقِ الباب.
ظلَّ مفتوحًا
حتى الفجر.
كانت تنتظرُ
أن يدخلَ منهُ
ذلك الواحدُ
الذي قالوا
إنَّه مات.
في الليلِ
جلسَ الصفرُ
قربَ القبر.
قال:
أنا لا شيء.
قلتُ:
لو كنتَ لا شيء،
فلماذا
يتَّسعُ غيابُكَ
كلَّما حاولتَ أن تضيق؟
قال:
أنا نهايةُ الحساب.
قلت:
بل أنتَ
حيرةُ الحساب
حين يعجزُ
عن تسمية الفقد.
قال:
أنتَ الآنَ صفر.
قلت:
كلا.
أنا عينُ أمٍّ
تراني في العتمة.
أنا يدُ طفلٍ
تبحثُ عن يدي
في الزحام.
أنا كرسيٌّ
يحفظُ انحناءةَ الجسد
بعد أن غابَ الجسد.
أنا معطفٌ
ما زالَ يحتفظُ
برائحة الشتاء.
فكيفَ أكونُ صفراً
وفي غيابي
كلُّ هذا الامتلاء؟
دارَ الصفرُ
حول القبر.
دورةً…
ثمَّ دورةً…
ثمَّ صارَ دائرةً
تلتهمُ ما حولها:
البيتَ،
والشارعَ،
والمدينةَ،
والبحرَ،
والسماء.
قال:
أرأيت؟
كلُّ شيءٍ
يمكنُ أن يعودَ إلى الصفر.
قلت:
ولكنْ
مَن سيعرفُ أنَّكَ صفر
إذا لم تبقَ عينٌ
ترى الصفر؟
سكت.
لأوَّلِ مرةٍ
خافَ الصفرُ
من نفسه.
وحينَ بكى،
خرجتْ من دمعتِهِ
نقطةٌ صغيرة.
كبرتْ.
ثمَّ قالت:
أنا الواحد.
قلت:
أنتَ البداية.
قال:
وأنتَ النهاية.
قلت:
لا.
أنا الطريقُ
بينهما.
قالَ الواحد:
أنا أصلُ الأشياء.
قلت:
وأنتَ
أوّلُ خطيئةِ الانفصال.
حينَ قلتَ:
هذا واحد،
خرجَتِ الشجرةُ
من الغابة.
وحينَ قلتَ:
هذا نجم،
خرجَ النجمُ
من حضنِ السماء.
وحينَ قلتَ:
هذا إنسان،
أغلقتَ عليهِ
جلدَهُ
وقلتَ له:
أنتَ وحدك.
فمشى وحيداً
نحوَ المقبرة.
قال الواحد:
لكنَّ الإنسانَ واحد.
قلت:
أنا أمّي
حينَ تناديني.
أنا أبي
حينَ يسكنُ الصمتُ
في صوته.
أنا حبيبتي
حينَ تضعُ يدَها
في يدي
فيصيرُ الطريقُ
أقصرَ من نبضة.
أنا طفلي
حينَ يرى غدَهُ
من نافذةِ عيني.
أنا صديقي
الذي تركَ في روحي
مقعدًا لا يجلسُ عليهِ أحد.
أنا عدوّي
في الجرحِ
الذي تركَهُ فيَّ.
فإذا طرحتموني
من الحساب،
فمن من هؤلاء
تطرحونَ معي؟
مدَّ الواحدُ
يدهُ إلى ممحاة.
محا اسمي.
فارتجفَ اسمٌ
كانَ يعيشُ في فمِ أمّي.
محا وجهي.
فبكتْ مرآةٌ
كانت تحفظُ ملامحي.
محا صوتي.
فسكتَ بابٌ
كانَ يعرفُ طرقةَ يدي.
محا جسدي.
فانحنى كرسيٌّ
من تلقاءِ نفسه.
قال:
الآنَ انتهيت.
قلت:
بل الآنَ
بدأتَ تعرفُ
ماذا يعني الغياب.
جاءَ الموت.
جلسَ إلى الطاولة.
فتحَ دفترَهُ.
قال:
واحدٌ ناقصُ واحدٍ
يساوي صفرًا.
فقالتِ الأم:
لا.
يساوي
ملعقةً زائدة
على مائدةٍ
لا يأتي إليها أحد.
قال:
صفر.
قالت:
يساوي
نصفَ سريرٍ
يظلُّ باردًا
في الجهة الأخرى.
قال:
صفر.
قالت:
يساوي
طفلًا
يتعلّمُ كلمةَ «أبي»
بعد أن صارَ أبوه
غيرَ قابلٍ للنداء.
قال:
صفر.
قالت:
يساوي
طريقًا طويلًا
يمشيهِ الحنين
ولا يصل.
قال:
صفر.
قالت:
يساوي
هذا القلب.
وأخرجتْ قلبَها
من صدرها
ووضعتهُ
فوقَ دفترِ الحساب.
نبضَ القلب.
فارتجفَ الصفر.
ثمَّ هربتِ الأرقام.
لم يبقَ في الدفتر
إلّا نبضٌ.
نبضة…
ثمَّ نبضتان…
ثمَّ ثلاث.
لكنَّ كلَّ نبضةٍ
كانت تقول:
هو.
هو.
هو.
ولم تقلْ:
واحد.
ففهمَ الموتُ
للمرّةِ الأولى
أنَّ الإنسانَ
لا يُعدُّ بما يملك،
بل بما يترك.
قال الموت:
سآخذُهُ
من أمِّه.
فأخذتُهُ من أمِّه
فظهرَ الحنين.
وأخذتُ الحنين
فظهرتِ الذكرى.
وأخذتُ الذكرى
فظهرَ الألم.
وأخذتُ الألم
فبقيتِ الأم.
قال الموت:
ما هذا؟
كلَّما طرحتُ شيئاً
ظهرَ شيءٌ آخر!
قالت:
ذلك ابني.
قال:
ولكنَّه مات.
قالت:
ماتَ جسدُه.
أمّا الذي بيني وبينه
فلا يعرفُ الموت.
—
مدَّ الموتُ
خطًّا أسود
بينَ الأمِّ والابن.
قال:
الآنَ صرتما اثنين.
ثمَّ أخذَ الابن.
وقال:
بقيَ واحد.
نظرتِ الأمُّ
إلى الجهةِ الخالية.
وقالت:
كذبت.
بقيَ اثنان.
أنا…
وغيابُه.
ارتبكَ الموت.
أعادَ الحساب.
طرحَ الغياب.
فخرجَ الحنين.
طرحَ الحنين.
فخرجتِ الذكرى.
طرحَ الذكرى.
فخرجَ الألم.
طرحَ الألم.
فخرجَ الحب.
طرحَ الحب.
فخرجَ الابن.
قال الموت:
من أينَ جاء؟
قالت:
منّي.
قال:
وكيفَ يعودُ من الموت؟
قالت:
لأنَّه لم يدخلِ الموتَ
وحيدًا.
أخذَ معهُ
جزءًا منّي.
وأبقى لي
جزءًا منه.
عند الفجرِ
مزَّقَ الموتُ دفترَه.
كسرَ قلمَه.
وقال:
من اليومِ
لن أحسبَ البشر.
فالإنسانُ
ليسَ واحداً
حينَ يموت.
كلُّ إنسانٍ
خيطٌ في نسيج.
إذا انقطعَ خيطٌ
لم ينقصِ النسيجُ واحداً؛
بل تغيَّرَ شكلُه.
تتغيَّرُ العقدة.
ينفتحُ ثقبٌ
في مكانٍ
لم يكنْ فيه ثقب.
ويصيرُ الغيابُ
مرئيًّا.
ومنذُ ذلك اليوم
مرضَ الحساب.
صارَ الواحدُ
يسأل:
واحدٌ بالنسبةِ إلى مَن؟
وصارَ الصفرُ
يخافُ من الفراغ.
وصارتِ اللانهايةُ
تبحثُ عن إنسانٍ
واحدٍ
لتثبتَ أنَّها
ليست عدمًا.
أمّا الأمُّ
فكانت كلَّ مساء
تضعُ طبقين.
وتقولُ:
لا أعدُّه.
أنا أنتظرُه.
فالحسابُ
يعرفُ كم غابَ،
لكنَّه لا يعرفُ
كم بقيَ منهُ
فيَّ.
وأنا…
لم أعدْ واحداً.
صرتُ
كسرًا
بلا مقام:
بسطُهُ
حياةٌ عشتُها،
وتحتَ الخطِّ
أسماءُ الذين أحببتُهم.
كلَّما حاولَ الموتُ
أن يجدَ قيمتي،
سقطَ في الفراغ.
وكلَّما قال:
ماتَ واحد،
فتحتْ أمّي
بابَ الصفر.
أخرجتني منه.
أجلستني إلى جوارها.
وضعتِ الخبزَ أمامي.
وقالت:
تأخَّرتَ.
فأقول:
كان عليَّ
أن أشرحَ للموت
أنَّني لا أساوي واحداً.
فتبتسم.
تمسحُ عن وجهي
غبارَ الغياب.
ثمَّ نأكلُ معاً.
هي…
من جهةِ الحياة.
وأنا…
من جهةِ الموت.
وبيننا
ذلك الشيءُ القديمُ
الذي كانَ قبلَ أن يتعلّمَ العالمُ
أن يقول:
واحد.
ذلك الشيءُ
الذي لا اسمَ له…
الحب
شهادة في حق الشاعر عماد خالد رحمة.
إن قصائد المفكر والباحث والشاعر الفلسطيني عماد خالد رحمة قصائد يتحول فيها الشعر إلى أداة معرفية وتجريبية، فهو يعلم ويهمس ، يفتح مساحات للحلم والوجود في الراهن الصعب يحول الرموز البسيطة إلى تجربة إنسانية حضارية ، تقوم على قيم جمالية ذات صرح متين ، والتجربة الفردية إلى نموذج عالمي يقول الأرض والذات المعطوبة وقهر الإنسان والحب في اسمى تجليه ، إنها نصوص الدهشة والجمال تحمل بين حناياها الدفء الشعوري والنكهة الأخلاقية والإنسجام الفني، نصوص لاتصرخ ولاتدين كما يفعل غيره من الشعراء، بل تقترح طرقا للعيش وتدعونا ان تصغي اكثر ولا نؤذي، وان نترك مساحة شاسعة للضوء، حتى لاينتصر الظلام ، شاعر يهمس في هيئة الحكماء وبوعي المفكر الوارف، حيث يصرخ الآخرون راكبين صهوة الخوف، بينما نجده يقف على ثباته مؤمنا بالشمس، إنه يعلم أكثر مما ينتقد الراهن السياسي والإجتماعي ، يطمئن اكثر مما يثير القلق، مؤمنا إن العالم يحمل ثقل الوجع، وانه كشاعر صاحب رؤية فلسفية يسعى إلى إطلاق سرح أحزان الإنسان كي ينبض الصلصال تحت اقدام الأحرار.








