بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
يأتيك رجل يطلب المساعدة.
تسمع قصته فتتعاطف معه؛ راتبه قليل، والإيجار يستهلك جزءًا منه، والديون تراكمت، ومصاريف المدرسة أثقلت كاهله، والطعام والكهرباء والملابس لا تنتظر.
ثم تعلم أن لديه سبعة أبناء…
وأن الثامن في الطريق.
فتقف أمام سؤال حساس لا ينبغي أن يُطرح بقسوة، لكن لا ينبغي كذلك أن نهرب منه:
متى تتحول الرغبة في كثرة الأبناء من فرحة بالنعمة إلى مسؤولية لم نحسن تقديرها؟
الأبناء نعمة… نعم
لا خلاف أن الأبناء من نعم الله وزينة الحياة، قال سبحانه:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 46].
وكم من بيت بسيط امتلأ سعادة بأبنائه، وكم من أب محدود الدخل أحسن تربية أسرته وعاشوا بالقليل بكرامة ومحبة.
لذلك فحديثنا ليس ضد كثرة الأبناء.
ولا ضد الفقير.
ولا نقول إن صاحب الدخل المحدود لا يحق له تكوين أسرة.
بل نقول شيئًا مختلفًا:
كل نعمة تأتي معها أمانة.
والطفل ليس اسمًا جديدًا نضيفه إلى دفتر العائلة، ثم تنتهي المسؤولية.
إنه إنسان يحتاج طعامًا ولباسًا وسكنًا وعلاجًا وتعليمًا ووقتًا وتربيةً وأمانًا حتى يقف يومًا على قدميه.
«كل مولود يأتي برزقه»
نسمع هذه العبارة كثيرًا.
والمعنى الإيماني في أصلها جميل: الله هو الرزاق، ولا ينبغي أن يعيش المؤمن أسير الخوف من المستقبل.
قال تعالى:
﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].
لكن هل معنى التوكل ألا نحسب؟
هل نقول إن الله هو الرزاق ثم لا نخطط للدخل والمصروف والسكن والتعليم والطوارئ؟
نحن نتوكل على الله عندما نطلب الرزق، ثم نخرج إلى أعمالنا كل صباح.
ونتوكل عليه في السفر، ثم نفحص السيارة ونملأ خزانها.
فلماذا عندما يتعلق الأمر بأسرة كاملة نفصل التوكل عن التدبير؟
الرزق من الله، أما حسن التدبير فمسؤوليتنا.
والتوكل ليس أن نتجاهل الأسباب…
بل أن نأخذ بها، ثم نعلق قلوبنا بالله.
اليوم طفل… وغدًا طالب جامعة
ومن أخطاء التفكير أن نحسب تكلفة الطفل كما نراه اليوم.
حفاضات.
حليب.
ملابس صغيرة.
لكن هذا الطفل لن يبقى صغيرًا.
سيذهب إلى المدرسة.
ستكبر ملابسه.
ستزيد احتياجاته.
سيحتاج إلى جهاز ودراسة ومواصلات وعلاج وأنشطة.
ثم تأتي الجامعة والتدريب وبداية الحياة.
وفي الوقت نفسه ترتفع تكاليف المعيشة وتتغير الظروف.
وقد يكبر الأب نفسه وتقل قدرته على العمل.
لهذا لا يكفي أن يقول الإنسان:
«أنا قادر عليهم اليوم.»
الحكمة أن يسأل أيضًا:
وماذا عن السنوات القادمة؟
نحن لا نعرف الغيب، ولا يستطيع أحد ضمان المستقبل، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين عدم معرفة الغيب وبين عدم التخطيط لما نستطيع توقعه.
والسكن ليس تفصيلًا صغيرًا
وهنا تأتي المسألة التي أشرتُ إليها.
قد يكون دخل الإنسان جيدًا، لكنه يعيش مع أسرته الكبيرة في إيجار، وليس لديه استقرار سكني طويل الأمد، ومع ذلك تستمر الالتزامات في الزيادة عامًا بعد عام.
ليس امتلاك المنزل واجبًا على كل أسرة، والإيجار قد يكون خيارًا ماليًا عقلانيًا لبعض الناس، ولا نريد أن نجعل الملكية معيارًا لنجاح الإنسان.
لكن السؤال المشروع هو:
هل فكرت في استقرار الأسرة قبل أن توسع التزاماتها؟
ربما تكون الأولوية في مرحلة معينة لتكوين احتياطي مالي.
أو سداد دين.
أو تأمين سكن مستقر.
أو الاستثمار في تعليم الأبناء الموجودين.
أو الاستعداد للطوارئ.
حسن التدبير يعني أن تعرف ما الذي يجب أن يسبق ماذا.
فليست المشكلة أن الإنسان لا يملك بيتًا.
المشكلة أن يعيش سنوات بلا خطة، بينما تزداد مسؤولياته وكأن الدخل والظروف لن يتغيرا أبدًا.
ثم يأتي العيد
وهنا تظهر الأرقام في صورة بشر.
يأتي العيد.
هذا يريد ثوبًا.
وتلك تريد ملابس.
والثالث يحتاج حذاءً.
والرابع لديه رسوم.
والخامس يحتاج علاجًا.
والسيارة تعطلت.
والإيجار مستحق.
وفاتورة الكهرباء وصلت.
والراتب…
راتب واحد.
فيبدأ الأب بالاستدانة.
ثم يستلف من صديق.
ثم يطلب من أخ.
ثم يذهب إلى جمعية خيرية.
ثم تتراكم الالتزامات حتى يصبح الراتب القادم مستهلكًا قبل أن يصل.
نحن لا نسخر من هذا الأب ولا نحتقر حاجته.
بل الواجب أن نقف معه إذا احتاج.
لكن التوعية تسأل قبل أن تتكرر القصة في بيت آخر:
هل كان يمكن لبعض هذا الضيق أن يُتجنب بحسن التدبير من البداية؟
ليس كل محتاج سيئ التدبير
وهذه نقطة لا يجوز أن ننساها.
قد تجد أبًا لديه ثمانية أبناء وكان يوم أن أنجبهم قادرًا عليهم.
ثم فقد عمله.
أو مرض.
أو توفي مصدر دخل الأسرة.
أو وقعت كارثة.
أو تغيرت ظروفه الاقتصادية بصورة لم يكن يستطيع توقعها.
هذا إنسان ابتُلي بعد أن أخذ بالأسباب.
فلا نحاكمه بأثر رجعي.
ولا يجوز أن ننظر إلى عدد أبنائه ونختصر قصته كلها في حكم سريع.
مقالنا يتحدث عن الحالة الأخرى:
أن يعرف الإنسان عجزه المستمر، ويرى ديونه تتزايد، ويعرف أن الموجودين أصلًا لا يحصلون على بعض احتياجاتهم الأساسية، ثم يستمر في زيادة المسؤوليات دون مراجعة أو تخطيط.
فالفرق كبير بين من تغيرت عليه الحياة، ومن رفض أن يغير قراراته رغم تغير الحياة.
والمال ليس كل شيء
بل ربما يكون هذا هو الجانب الذي ننساه أكثر.
افترض أن لديك من المال ما يكفي عشرة أبناء.
هل تستطيع أن تمنح كل واحد منهم أبًا؟
هل تعرف ماذا يحدث له في المدرسة؟
من أصدقاؤه؟
ما الذي يخيفه؟
لماذا تغير سلوكه؟
هل تجلس معه؟
هل تعرف مواهبه؟
هل تلاحظ حزنه؟
هل يجد وقتًا خاصًا معك؟
فالتربية ليست فاتورة ندفعها.
وقد يستطيع الإنسان شراء عشرة أجهزة لأبنائه…
لكنه لا يستطيع شراء ساعة واحدة ضاعت من طفولتهم.
ولهذا فإن القدرة على الإنجاب ليست قدرة مالية فقط.
إنها قدرة مالية ونفسية وتربوية وزمنية وأسرية.
«سيهتمون بي عندما أكبر»
وقد يقول أحدهم:
الأبناء عزوة، وسيقفون معي عندما أكبر.
ونرجو لكل أب وأم أن يرزقهما الله بر أبنائهما.
لكن الأبناء ليسوا مشروع تقاعد.
نحن الذين اخترنا أن نأتي بهم إلى الدنيا، ولذلك تبدأ الحقوق من عندنا تجاههم قبل أن ننتظر حقوقنا منهم.
ثم إن العدد لا يضمن البر.
قد يكون للرجل عشرة أبناء ويعيش وحيدًا.
وقد يكون له ابن واحد يحمل والديه في قلبه قبل يديه.
فالبر لا تصنعه كثرة الأسماء في دفتر العائلة؛ تصنعه – بعد توفيق الله – التربية التي غرستها في أصحاب تلك الأسماء.
«كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت»
وهنا تصبح القضية أمانة شرعية أيضًا.
قال النبي ﷺ:
«كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يقوت».
فمن أصبح مسؤولًا عن أسرة لم تعد النفقة والإعالة عنده مسألة اختيارية.
وقال تعالى:
﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7].
وتأمل كيف يربط القرآن النفقة بالسعة والقدرة.
فالله الذي أمرنا بالتوكل هو الذي أمرنا بالمسؤولية.
ولا تعارض بين الاثنين.
التوعية قبل الحاجة
نحن بحاجة إلى ثقافة أسرية لا تخجل من الحديث عن التخطيط.
قبل الزواج.
وبعده.
وعند التفكير في توسيع الأسرة.
كم دخلنا؟
كم ديوننا؟
هل لدينا صندوق للطوارئ؟
ما وضع السكن؟
ما احتياجات الأبناء الموجودين؟
هل نستطيع تعليمهم؟
هل لدينا الوقت لتربيتهم؟
وماذا لو فقد أحد الزوجين مصدر دخله؟
هذه الأسئلة ليست تشاؤمًا.
هذه مسؤولية.
فالطائرة لا تحمل وقود الرحلة لأنها تتوقع السقوط، بل لأنها تعرف المسافة التي ستقطعها.
والأسرة كذلك تحتاج إلى أن تعرف شيئًا عن الطريق قبل أن تبدأه.
ليسوا أرقامًا في دفتر العائلة
في النهاية، لا تسأل نفسك فقط:
هل أريد طفلًا آخر؟
اسأل:
هل أستطيع أن أكون أبًا له كما ينبغي؟
هل أستطيع الإنفاق عليه بقدر استطاعتي؟
هل لدي مكان آمن ومستقر له؟
هل أستطيع تعليمه؟
هل أملك له وقتًا؟
وهل سيبقى لإخوته حقهم من المال والاهتمام والتربية إذا جاء؟
الأبناء نعمة…
لكن النعمة لا تلغي المسؤولية.
والرزق من الله…
لكن حسن التدبير مسؤوليتنا.
والتوكل لا يعني أن نغمض أعيننا عن الأرقام ثم نطلب من المستقبل أن يصلح قرارات الحاضر.
ساعدوا المحتاج إذا طرق أبوابكم، ولا تعيّروه بفقره ولا بأبنائه.
لكن في الوقت نفسه، علّموا من لم يصل بعد إلى الحاجة كيف يتجنبها ما استطاع.
فأجمل مساعدة للمجتمع ليست فقط أن نسدد دين أسرة بعد أن تغرق…
بل أن ننشر من الوعي ما يساعد أسرة أخرى ألا تغرق من البداية.
فالطفل لا يختار أن يأتي إلى هذه الدنيا…
أما نحن فنختار أن نستقبله.
ومن اختار استقبال الأمانة، فليستعد لحملها؛ لأن أبناءنا ليسوا أرقامًا نفاخر بكثرتها، ولا ضمانًا نؤجله لشيخوختنا، ولا أفواهًا نقول إن الله سيرزقها ثم ننسى ما علينا من الأخذ بالأسباب.
إنهم أرواح تحتاج إلى نفقة، وسكن، وتعليم، وتربية، ووقت، ورحمة، وأمان.
وقد جمع رسول الله ﷺ هذه المسؤولية كلها في كلمات قليلة عظيمة:
«كُلُّكُمْ راعٍ، وكُلُّكُمْ مسؤولٌ عن رعيته… والرجلُ راعٍ في أهله وهو مسؤولٌ عن رعيته، والمرأةُ راعيةٌ في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها».
وهنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن يسبق قرار الإنجاب ليس فقط:
كم ولدًا أريد؟
بل:
كم أمانةً أستطيع – بعون الله – أن أرعى حقها؟
فالأبوة ليست في أن يكثر مَن ينادونك أبي…
بل في أن تؤدي حق كل مَن منحك الله شرف أن يناديك بها.









