كوخ العسل وشئ من التباريح

جازان- حمد دقدقي

كلما أعدتُ النظر في صور رحلتنا إلى محايل عسير، شعرتُ أن الصور لم تكن صورًا، بل نوافذَ فتحتها الذاكرة على أيامٍ لا تريد أن تُغلق.

هناك، عند كوخ العسل في رجال ألمع، وبين الجبال الشاهقة والطرق المعلّقة، كانت الأنوار تصعد بنا إلى السماء، حتى خُيّل إلينا أن السحاب قد دنا منا، وأن الجبال قد ألبست نفسها ثوبها الأخضر لتحتفي بقدومنا.

وفي محايل عسير، كانت المطابخ والمحاند تفوح منها رائحة المكان ودفء أهله، وكانت الأشجار المعلّقة على السفوح تبدو كأنها تتحدى الجاذبية، فيما الجبال شامخة، ساكنة، متلحفة بالخضرة، تراقبنا في صمتٍ يشبه الدعاء.

أما ذلك المساء الذي جمع الوفد الإعلامي والإعلاميات في أعلى قمة المقهى، فكان حكاية أخرى؛ جلسنا والهواء يمر بيننا كأنه واحدٌ من رفاق الرحلة، واستقبلتنا آلاء اللبنانية بالشاي والقهوة، وأوراق النعناع والحبق، فامتزج عبق الضيافة بعبق الجبل، وصار للكوب حكاية، وللنعناع ذاكرة، وللجلسة وطنٌ صغير من الألفة.

حتى الأجواء نفسها بدت يومها وكأنها تعرف أننا عابرون، فأخذت تستبق الرحيل برسالة لا تُكتب بالحروف، وإنما تُقرأ بالقلب:

«أبقوا هنا… فما أجمل أن يجد الإنسان مكانًا يشعر فيه أن الطبيعة لا تستقبله فحسب، بل تحبه.»

وما زلت، كلما مررت على تلك الصور، أفتش بين تفاصيلها عن شيءٍ تركناه هناك؛ لعلّه ضحكة، أو نظرة إلى جبل، أو رشفة قهوة، أو لحظة صفاء…

ثم أكتشف أن الذي تركناه لم يكن شيئًا منّا، بل شيئًا منّا استقر في عسير، وأن بعض الرحلات لا تنتهي حين نعود إلى بيوتنا، وإنما تبدأ حين تعود الصور فتوقظ في القلب شوقًا إلى مكانٍ قال لنا، دون صوت:
ابقوا هنا… فهنا شيءٌ من الجنة

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24