أ.د. طارق السامرائي/جامعة ترنتي
ليست مأساة الجماعات أن تهزم من الخارج فكثيراً ما تبدأ الهزيمة الحقيقية حين (يتحول الضغط الخارجي الي طاقة تأكل داخله )ففي علم الأحياء هناك (ظاهرة تعرف بالالتهام الذاتي )حيث تلجأ الخلية وتحت وطأة الإجهاد الي (استهلاك بعض مكوناتها للحفاظ علي البقاء ) وهي ظاهرة في حدود معينة غير عمومية ،لكنها اذا استمرت بلا ضوابط او اختل (توازن بين الهدم والبناء )ستتحول من (آلية إنقاذ الي مسار استنزاف يدعو للضعف وربما الفناء ).————————————
ومن هنا تنشأ قوة هذا التشبيه في قراءة بعض حالات الوطن التاريخية
————————————————
الجماعة البشرية تشبه الجسد معنوياً ضخما (له اعصاب هي شبكات الثقة وله قلب هو قضيته المركزية وله جهاز مناعة هو قدرته علي التماسك امام الخطر )
وحين يعمل هذا الجسد بصورة اعتيادية سوف يوجه معظم طاقته نحو التحديات الخارجية التي تهدد وجوده واهدافه ومصالحه .
——————————————
وحين يبدأ كل عضو في النظر الي العضو الاخر باعتباره الخطر الاول فان البوصلة تنقلب ويتحول الجسد من مقاوم للأخطار الي مقاوم لنفسه
————————————————-
في هذا الموقف لا يعود النزيف نتاج ضربات الخصم بل يصبح الجسد نفسه شريكاً في استنزاف نفسه وتصبح اليد التي ينبغي أن تدافع عن الجسد مشغولة بمصارعة اليد الاخري والعين بدلاً من أن تكون راصدة للخطر الخارجي سترصد العين المقابلة والقلب الذي ينبغي أن يضخ الدم إلي كافة اطراف الجسد يبداً بالخلل في ارسال إشارات متناقضة،وما هو خلافاً محدوداً سرعان ما يتحول الي اعادة توجيهات للموارد والطاقات والوقت من ساحة المواجهة الي (ساحة خصومات داخلية )
فالتاريخ يقص لنا هذه (الظاهرة )فالإمبراطوريات لا تسقط دائماً حين يبلغ خصومها اعلي درجات القوة ! بل كثيراً (ما تسقط حيت تتآكل قوة روابطها الداخلية )
التاريخ يخدمنا ويشير إلي أن الانقسام المزمن لا يستهلك الموارد المادية فقط بل (يلتهم ما هو اخطر …الرصيد المعنوي والثقة المتبادلة )
حيث ان الخسارة العسكرية قد تعوض مع مرور الوقت والخسارة الاقتصادية قد ترمم اما
———————————————
(خسارة الثقة بين المكونات للجماعات فهي أشبه بتلف يصيب الجهاز العصبي للجسد باكمله،وعندئذ يصبح التنسيق صعباً والتضامن ضعيفاً والاستجابة للأزمات بطيئا )
————————————————-
ففي الكون هناك منظومة رهيبة في الحفاظ علي طبيعة (الكينونة )ولكن إذا انهارت (قوة الجاذبية)فانها ستفقد مداراتها وهكذا (الجماعات)تفقد قوتها وتماسكها حين تضعف وحدة (الفكرة الجامعة ).
————————————————-
(والأخطر من الاستنزاف المادي أن الاستنزاف الداخلي يعمل علي تغير وعي الجماعات نفسها )
ففي مراحل الصراع الخارجي تتبلور (هوية مشتركة والشعور بالمصير الواحد )اما حين يتطور الانقسام فان السؤال لم يعد (((كيف نواجه التحدي )))بل يصبح (من المسؤول
ومن الأكثر حقا،ومن المخطئ)
وهكذا تنتقل الجماعة من منطق الفعل الي منطق الاتهام ومن البحث عن مستقبل باهر الي محاكمة الحاضر والماضي ،وتصبح الخلافات بأنواعها مصدراً للشرعية والقوة
———————————————وتتغذي البني السياسية علي الانقسام بدلا من تجاوزه
————————————————
ولعل ادق مثال لوصف هذه الحالة (ليس في الجسد الذي يرحل فوراً بل انه يدخل في حالة إنهاك مزمن لان الجسد المنهك قد (يبقي واقفاً لسنوات طويلة ،لكنه يفقد القدرة علي المبادرة (يبقي موجوداً لكنه اقل قدرة علي الحركة والإنجاز )وتصبح كل أزمة خارجية اكثر خطورة لان المناعة الداخلية تعرضت للضعف والهوان أصلاً)
في الوطن العربي نماذج تطفو علي السطح وربما تتطلب زمنا لكي تلغي
جيل جديد بالفكر والرؤية والبناء)
الوض الفلسطيني وازمات العراق وسوريا ولبنان واليمن ممكن استخدام هذا (المجاز)رغم التباين وفجوات الاختلاف .
(جوهر المسألة لا يكمن في وجود خلاف بحد ذاته رغم أن هناك (نظرية تقول ليس ثمة جماعة بشرية او تجمع سياسي يخلو من التباينات والتجاذبات وعوامل التنافس وفي حدوده الطبيعية وهو علامة حياة لا علامة موت ودليل تعدد لا دليل تفكك )
غير أن الخطر يبدأعند تجاوز الخلاف أن يكون (ظاهرة من ظواهر المجتمع )ويغدو (منظومة قائمةبذاتها )وحين ينتقل من طبيعته (وسيلة لاختبار الأفكار إلي حالة طارئة تعبر عن الجماعة )
وتصبح الجماعة نفسها اسيرة له وتدار في فلكه وتعيد إنتاجه في في مشروعها وسياسة مؤسساتها ووعيها الجمعي .
في تلك المرحلة يتحول الخلاف إلي المستهلك الأكبر للطاقة الوطنية
فالموارد التي ينبغي ان تستثمر في البناء تستنزف في ادارة الشقاق (سياسيا وطائفيا وعقائديا)وتصرف الجهود للهدم والصراعات والفساد والاعتصام بجهالة الماضي ورفض التمدن والتحضر)
وتتحول ادارة الدولة ومشروعها الي صياغة فؤوية بدلاً من ان تكون جسوراً لتطبيق المشروع النهضوي وتتحول الي متاريس للتمييز الديني والعرقي والطائفي ويصبح الجسد الوطني سلعة ومجتمع انهكته عوامل الجوع والفساد الذي حرق موارده واحتياطاته الحيوية لكي يبقي وينجو من السقوط
الفلسطيني والعراقي واللبناني واليمني وبعضا اخرين يدفع ثمن بقاؤه من لحمه ودمه وكرامته وامد حياته او يقبع في دهاليز السجون والتغييب وهوتحت شكل من أشكال الجريمة المنظمة والاستنزاف والتهجير .
ان اخطر ما يجري في عروق جغرافية ومجتمع هذه الدول (هو مشروع غربي إيراني صهيوني لاستنزاف يفرضه الخصوم من خارج الوطن .
ففي ظاهرة الضغط الخارجي مهما اشتد يبقي عاملا مرئيا يمكن تشخيصه وتحديد مصدره ومقاومته ،اما ؟الاستنزاف الداخلي فهو اكثر مراوغة وأيذاءا،لانه (يتسلل الي الوعي ذاته ويحاول اعادة تشكيله ،فهو لا يكتفي باضعاف الجسد بل يغير الطريقة التي ينظر بها الجسد إلي نفسه )
الجماعات تطمح في تغيير الهوية العربية في هذه البلدان من وطن العرب فهي تريد أن تخلق الاختلاف بما يفصل بين قيم وعقيدة وطقوس الآخرين !
-(
انها تريد شرعنة ما هو اخطر وردئ وقذر والأكثر حضورا في الوعي إلا وهو الانسلاخ القومي والرحيل الي موكب الغرب وايران .
لقد بلغت علامات التأكل مرحلة متقدمة نحتاج فيها الي قضية جامعة تمنح الداخل في الوطن (معني الانتماء ومبررات التضحية )ولكن حين تتشظي هذه المحاولات وتشريعاتها يبدأ النسيج المعنوي بالتفكك داخل الوطن وعندها سنعود الي :
السؤال (كيف سننتصر ؟)
ننتصر عندما نرمم الداخل من تصدعاته الخارجية وهو الاحتلال والانبطاح فكلاهما آخذ بالتوسع في الداخل للامة .
———————————————
النصر ليس فعلاً عسكرياً أو سياسياً فحسب بل هو قبل كل شئ الانسجام مع القوي الوطنية وخلق التوافق في اداء اجزاء الجسد الواحد (النضال وحدة لا تتجزأ يوصف واحدا في فكره الوطني وحركته ومشروعه لكي لا يصبح عاجزا عن تحويل قوته الكامنة إلي فعل تاريخي مؤثر )
————————————————
فالأمة في العراق او فلسطين او لبنان واليمن وسوريا والإقليم العربي في الشرق الأوسط كالكائنات الحية لا تعيش بمجرد بعثرة مشروعها النضالي بل بوحدة الفكر والممارسة النضالية والي تنتظم به المشاريع الوطنية )
الجسد هو المبدأالاساس الذي يجعل القلب يعمل من أجل الدماغ والدماغ من أجل اليد واليد من أجل الجسد كله .
الوطن في دولة او امة ليس مجرد تراكم فصائل وذيول تخدم الاجنبي او سلطة دولة ومؤسسات مستوردة او قيادات تخدم الخارج بل الوطن هو (منظومة من الاهداف والامال المشتركة التي تلغي الاختلافات
—————————(وتجندها خدمة وجزءا من مفردات سيناريو النصر )
———————————————
فاذا ضعفت الاهداف الجامعة او تراجعت صيغ قدراتها في المواجهة النضالية وجذب الطاقات المتفرقة الي المركز الواحد ستفقد تماسكها وقوتها ومشروعها وسترتد الي الداخل وتتحول اختلافاتها الي مصدر غني لجزمة وإدامة أجندة المحتل والغاصب بؤر الاستهلاك علي الاقتصاد العربي ملك الشعب .
————————————————-
الخلاصة لهذا البحث المعمق
————————————————
في الحالة العراقية والفلسطينية بشكل خاص والامة في الشرق الأوسط عامة فان من اخطر أنواع النزيف الوطني ليس المرئي بل الصامت!!!
ليس النزيف الذي يحدث في الحدود بل النزيف الذي يحدث في الأعماق ويتسرب من خزان الطائفية والخيانة الوطنية والارتماء في احضان الغرب وايران وخدمة مصالحهم !
رصيد الامة في تحرير بلدانها هو (التضامن في ادني درجات التوافق للنضال القومي )
امتلاك الشارع وقوته الجماهيرية ومن زرع نفس انتماءاتهم المشتركة وتقوية مناعتهم وقدرتهم علي التعافي من الذيلية والانبطاحية لاعداء الامة !
(قد تموت الاجساد والأمم من جروح صغيرة تركت طويلا بلا علاج اكثر مما تموت من الضربات الكبري ولعل عزاء الجسد الذي أرهقته استنزاف الذات من الداخل ليست مستعصية علي الشفاء ما دام القلب يعرف طريقه الي الاعضاء وسيجد الدم طريقه من جديد !
وما يبدو اليوم نزيفاً مزمناً قد يصبح بفعل المواصلة النضالية غداً بداية ألتئام حين يتذكر الجسد أن مصيره لا يكمن في أجزاؤه التالفة والمتنازعة بل في تقرير مصيره ووحدة مواقفه التي من أجلها وجد وبها وحدها ينهض !
الأوطان قد يطول فيها التيه وقد تتعبها جراحها اكثر مما يتعبها خصومها لكنها (((تظل قابلة للنهوض
———————————————-
ما دام لها مشروع وطني وايمان غير محدود وفي ذاكرتها اثار من معاني النضال وفي وجدانها بقية حلم ،فالجسد الذي يعرف كيف ينزف يعرف ايضاً كيف يتعلم كي يلتئم….كي لا يبقي عدوالنفسه
المشتركة وتراجعت عن قدرتها في جذب الطاقات المتفرقة الي مركز الوحدة ستفقد دورها في اتحاد هذه الطاقات وتجانس ارتباطاتها وحين تفقد القوي النضالية بؤر تماسكها ستفقد توازنها ولا تستطيع ان تتجه للخارج بل ترتد للداخل وتتحول الاختلافات إلي بؤر استهلاك للروح الوطنية .
————————————————-
خلاصة البحث والمقالة
————————————————
من اخطر انواع النزيف الوطني ليس في كونه مرئياً بل صامتا !
فالنزيف ليس علي حدود الجيران بل النزيف ما يتركه الجيران في اعماق الداخل ويتسرب من خزان الثقة بهم ومن رصيد التضامن معهم في سينياروهات تخدم المنطقة والإقليم .
النزيف عندما تتحول بعض قطاعات المجتمع بفعل الاذي الغربي والصهيوني والإيراني الي زرع امراض ضعف الانتماء والشعور فيهم ونشر ثقافات الطائفية والذيلية والعقائدية والوثنية والجهل المنظم ،فهو نزيف يترك ضعفا واذي في مناعة الوطن وشعبه ويحرمه من التعافي ويدفع به الي الانتحار والمقصلة والموت ،وقد تموت الاجساد من جروح صغيرة تركت طويلا بلا علاج اكثر مما تموت من جروح وازمات كبيرة
فالجراح الأتية من الداخل اكثر استنزافا وربما تكون اولا لا تكون مستعصية علي الشفاء !
فما دام القلب يعرف طريقه الي بقية الاعضاء سيجد الدم طريقه من جديد ،وما يبدو اليوم نزيفا مزمناً قد يصبح غدا بداية التئام!!!
حين يتذكر الجسد ان مصيره يرتبط ببقية أجزاؤه وفي وحدته التي من اجلها وجد وبها وحدها ينهض !
الأوطان قد يطول التيه والتشتت وقد تتعبها الجراح المتراكمة لكنها تظل قابلة للنهوض ما دام لها مشروع وايمان وفي وجدانها حلم ورسالة
الوطن الذي يعرف كيف نزف يستطيع ايضاً ان يتعلم كيّف يلتئم كي لا يبقي عدوا لنفسه .!















