الخيانة… حين يُفتح الباب من الداخل

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

ليست كل الهزائم تبدأ في ساحات القتال، ولا كل المدن تسقط لأن أسوارها كانت ضعيفة.

فقد يكون السور شامخًا، والحراس يقظين، والأبواب موصدة، والرجال مستعدين للدفاع؛ ثم تمتد يدٌ من الداخل في لحظة طمع أو خوف أو حقد، فتفتح للعدو بابًا عجزت قوته عن فتحه.

وهنا تكمن مرارة الخيانة.

فالعدو تعرفه؛ ترى رايته، وتسمع وقع خطواته، وتعرف أنه جاء ليأخذ منك شيئًا، فتتهيأ لمواجهته.

أما الخائن، فقد يجلس إلى جوارك، ويأكل من خبزك، ويعرف أسرارك، ويحفظ مواضع ضعفك، وربما صافحك صباحًا ثم باعك مساءً.

ولذلك كانت الخيانة أقسى من العداوة؛ لأن العدو يواجهك من الجهة التي تتوقعها، أما الخائن فيأتيك من الجهة التي اطمأننت إليها.

عندما تصبح للمبادئ أسعار

لا يبدأ الخائن خائنًا في الغالب، وإنما تبدأ الحكاية حين يصبح للمبدأ عنده ثمن.

مالٌ أكثر، منصبٌ أعلى، انتقامٌ قديم، حسدٌ مكتوم، مصلحةٌ عابرة، أو وعدٌ بمكان قريب من أصحاب القوة.

وهنا يقع الإنسان في أخطر أوهامه: يظن أنه يستطيع أن يبيع جزءًا من أمانته ويحتفظ بالبقية.

لكن الأمانة لا تتجزأ بهذه السهولة.

فمن باع سرًا اؤتمن عليه من أجل المال، ومن هدم زميله ليأخذ مكانه، ومن نقل كلام صديقه ليكسب رضا آخر، ومن دلَّ خصمًا على ضعف أهله طمعًا في مكافأة؛ قد تختلف أفعالهم في الحجم والنتائج، لكن الباب الذي دخلوا منه واحد:

أن تصبح المصلحة أغلى من الوفاء.

ولهذا جاء الميزان القرآني واضحًا لا مواربة فيه:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾
الأنفال: 58

فالخيانة ليست ذكاءً، والغدر ليس دهاءً، والوصول على أكتاف الآخرين ليس نجاحًا.

وقد ينجح الخائن مرة، وقد يحصل على المال أو المنصب أو القرب الذي أراده، فيتصور أنه انتصر؛ لكنه لا يرى ما خسره في المقابل.

لقد خسر أثمن عملة في العلاقات الإنسانية:

الثقة.

قد يكافئك… لكنه لن يثق بك

وهذه واحدة من أعجب مفارقات الخيانة.

قد يستفيد شخص من خيانتك لغيره، وقد يفتح لك بابه ويكافئك ويقرّبك؛ لكنه في أعماقه سيبقى يسأل نفسه:

إذا كان قد خانهم من أجلي، فما الذي يمنعه غدًا أن يخونني من أجل غيري؟

وهكذا يحمل الخائن عقوبته معه أينما ذهب.

فمن يراك تبيع صديقًا يعرف أن صداقتك قابلة للبيع، ومن يراك تفشي سرًا يعرف أن سره لن يكون آمنًا عندك، ومن يراك تهدم زميلًا للوصول إلى منصبه سيعرف أن منصبه نفسه قد يصبح هدفك يومًا.

ولذلك قد يشتري الناس الخيانة، لكنهم نادرًا ما يشترون الخائن بثقتهم.

فمن يستفيد منك اليوم قد يستخدمك، ولكنه لن يطمئن إليك.

والخيانة ليست خيانة وطن فقط

حين نسمع كلمة الخيانة، قد تذهب أذهاننا إلى الجواسيس والحروب والأوطان، لكن للخيانة أبوابًا أصغر نمر بها كل يوم.

خيانة الصديق حين يتحول سره إلى حديث مجالس.

وخيانة العمل حين تُستغل المسؤولية لمصلحة شخصية.

وخيانة الزميل حين تُسرق جهوده أو تُشوَّه سمعته من أجل منصب.

وخيانة العهد حين يُعطى الإنسان كلمة ثم يتخلى عنها عند أول مصلحة.

وخيانة الأسرة حين يُستغل الحب والثقة والأمان.

وخيانة الوطن حين تصبح مصلحته سلعة تُباع لمن يدفع أكثر.

وقد تبدأ الخيانة بكلمة صغيرة، أو معلومة تبدو تافهة، أو موقف يظنه صاحبه عابرًا؛ ثم تكبر الدائرة حتى يصبح إصلاح ما أفسدته أصعب من منعها منذ البداية.

ولهذا جاء في القرآن:

﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾
يوسف: 52

قد يطول الطريق قبل أن تظهر الحقيقة، لكن الخيانة تحمل في داخلها بذرة انكشافها؛ لأن صاحبها يحتاج في كل مرة إلى كذبة جديدة تحمي الكذبة السابقة، وإلى خيانة أخرى تستر الخيانة الأولى.

لا تكن أنت الباب

ليس المطلوب من الإنسان أن يعيش شاكًّا في الجميع، ولا أن يرى في كل من حوله خائنًا محتملًا؛ فالحياة لا تستقيم دون ثقة.

لكن المطلوب أن يعرف قيمة ما اؤتمن عليه.

فإذا أعطاك أحدهم سرًا، فقد وضع شيئًا من نفسه بين يديك.

وإذا أعطتك مؤسستك مسؤولية، فقد وضعت ثقتها في ذمتك.

وإذا أعطاك صديق قلبه، فقد منحك موضعًا لا ينبغي أن تدخله المصلحة.

وإذا منحك وطنك الأمن والانتماء والهوية، فلا تجعل أبوابه ثمنًا لمكسب شخصي.

لا تبع ما لا تستطيع استعادته من أجل شيء تستطيع خسارته غدًا.

فالمال يذهب ويعود، والمناصب تتغير، والمصالح تنتهي، والوجوه التي صفقت لك اليوم قد تنساك غدًا؛ أما الاسم إذا التصقت به الخيانة، فمن الصعب أن يغسله الزمن.

والتاريخ قد يتفهم ضعف المهزوم الذي قاوم ولم يستطع، لكنه لا ينظر بالطريقة نفسها إلى من كان يستطيع الوفاء فاختار الخيانة.

فاحذر أن تكون الباب الذي يدخل منه الآخرون إلى هدم ما اؤتمنت عليه.

لأن العدو الذي يقف خارج الأسوار قد يحتاج إلى جيش كامل كي يهدمها…

أما الخائن، فلا يحتاج منه إلا إلى مفتاح.

وقد ينال الخائن ثمن ذلك المفتاح يومًا، وينفقه، ويستمتع به، ثم ينساه الناس.

لكن هناك ثمنًا آخر يدفعه هو، لا يُكتب في العقود ولا يوضع في الأيدي:

أن يعيش بعد ذلك رجلًا قد يثق الناس بقدرته… ولكنهم لا يثقون بأمانته.

وتلك، ربما، أفدح خسائر الخيانة.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24