بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
يجلس إلى جوارك دقائق قليلة، ثم يبدأ التحقيق:
كم راتبك؟
كم اشتريت بيتك؟
لماذا لم تتزوج إلى الآن؟
وإن تزوجت:
لماذا لم تنجبوا؟
وإن كان لديك طفل:
متى يأتي الثاني؟
وإن انفصل زوجان:
لماذا تطلقتم؟ ومن المخطئ؟ وماذا حدث بينكما؟
وإن اشترى إنسان سيارة:
بكم؟ نقدًا أم قرضًا؟ وكم القسط؟
أسئلة تُقال أحيانًا بابتسامة، وكأنها مجرد حديث عابر…
لكن السؤال الذي نادرًا ما نسأله هو:
هل يحق لنا أصلًا أن نعرف؟
فليس كل ما يمكن أن نسأل عنه…
يحق لنا أن نسأل عنه.
الفضول ليس حقًا
هناك فرق بين الاهتمام بالناس والتدخل في حياتهم.
أن تسأل صديقك: كيف حالك؟ فهذا اهتمام.
لكن أن تطالبه بتفاصيل خلافه مع زوجته لأنه قال إنهما يمران بظرف صعب، فهذا شيء آخر.
أن تبارك لإنسان زواجه جميل.
أما أن تبدأ بعد أشهر بالسؤال: لماذا لم تحمل زوجتك بعد؟ فقد تكون دخلت منطقة لا تعرف مقدار الألم الموجود خلفها.
قد يكون هناك علاج.
أو فقد.
أو قرار شخصي.
أو مشكلة لا يريد الزوجان أن يعرف بها أحد.
وقد لا يكون هناك شيء أصلًا…
ولا يزال من حقهما ألا يشرحا لك.
فالخصوصية لا تحتاج إلى عذر حتى نحترمها.
«نحن فقط نريد أن نطمئن»
كثير من التدخل يبدأ بنية تبدو طيبة.
الأهل يريدون الاطمئنان.
الأصدقاء يريدون المعرفة.
الجيران «يسألون فقط».
لكن حسن النية لا يجعل كل سؤال مناسبًا.
فقد تحب إنسانًا كثيرًا، ومع ذلك توجد أبواب في حياته لا تدخلها إلا إذا فتحها لك بنفسه.
ومن أجمل صور الاحترام أن تقول لمن تحب:
أنا موجود إن احتجت إليَّ.
ثم تترك له حق اختيار ما يريد أن يخبرك به.
فالحب لا يعني امتلاك مفاتيح جميع الغرف المغلقة في حياة من نحب.
الزواج ليس مؤتمرًا عائليًا مفتوحًا
ومن أكثر الأماكن التي تضيع فيها الحدود: الحياة الزوجية.
يتزوج اثنان…
فتبدأ الآراء من كل جهة.
كيف ينفق الزوج؟
أين تسكن الزوجة؟
كم يعطيها؟
لماذا زارت أهلها؟
لماذا تأخر في العودة؟
ماذا قال لها؟
وماذا قالت له؟
ثم يقع خلاف بسيط كان يمكن أن ينتهي بين شخصين، فيدخل فيه خمسة أو عشرة أشخاص، ويحمل كل واحد منهم رواية مختلفة، فيصبح الرجوع أصعب من الخلاف نفسه.
نعم، للأسرة مكانتها، والنصيحة مطلوبة، وقد يحتاج الزوجان إلى حكماء عند اشتداد النزاع؛ بل إن القرآن أرشد إلى التحكيم عند خوف الشقاق بين الزوجين في قوله تعالى:
﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35].
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين الحكمة عند الحاجة وبين أن تصبح تفاصيل الزواج مادةً للمجالس.
فالبيت الذي له عشرون مديرًا…
يصعب على الزوجين أن يعيشا فيه بسلام.
وحتى الطلاق له حرمة
إذا وقع الطلاق، تبدأ الأسئلة.
من السبب؟
هل خان أحدهما الآخر؟
كم سيدفع؟
مع من سيعيش الأطفال؟
ماذا قالت أسرته؟
ماذا قالت أسرتها؟
وكأن انتهاء الزواج أسقط حق الطرفين في الخصوصية.
بل ربما يكون الإنسان في واحدة من أصعب مراحل حياته، فيحتاج إلى الهدوء وإعادة ترتيب نفسه وحماية أطفاله، بينما ينشغل الآخرون بجمع التفاصيل.
والأشد سوءًا أن تتحول أسرار سنوات الزواج بعد الانفصال إلى أسلحة.
فليس كل ما عرفته عن إنسان عندما كان قريبًا منك يصبح مباحًا عندما يبتعد.
الأخلاق الحقيقية تظهر أحيانًا بعد انتهاء العلاقة: هل تحفظ السر عندما لم تعد المصلحة تجمعكما؟
كم راتبك؟
وهذه من الأسئلة التي أصبحت عند بعض الناس عادية جدًا.
كم راتبك؟
كم في حسابك؟
كم أخذت مكافأة؟
كم قيمة أرضك؟
كم دفعت مهرًا؟
كم عليك من القروض؟
وقد تكون هناك سياقات عملية أو أسرية تجعل السؤال المالي مشروعًا، لكن خارجها لا ينبغي أن نفترض أن أموال الآخرين شأن عام.
والأغرب أننا أحيانًا لا نريد الرقم لحاجة…
بل لنبدأ المقارنة.
إذا كان راتبه أعلى: لماذا؟
وإذا كان أقل: كيف يعيش؟
إذا اشترى شيئًا غاليًا: من أين له؟
وإذا عاش ببساطة: أين تذهب أمواله؟
وهكذا يجد الإنسان نفسه مطالبًا بشرح حياته المالية لمن لم يطلب منهم مالًا أصلًا.
الأبناء أيضًا لهم خصوصية
ومن المهم ألا ننسى الأطفال.
درجات ابنك.
مشكلاته الدراسية.
مرضه.
مخاوفه.
خطؤه.
عقابه.
صوره المحرجة.
ليست كلها موضوعات للنشر أو الحديث في المجالس.
قد يروي الأب موقفًا عن ابنه ليضحك الجميع، بينما يجلس الطفل بينهم يشعر بالإهانة.
وقد تنشر الأم صورة يراها الناس لطيفة، لكن الطفل عندما يكبر قد يتمنى لو لم تصبح جزءًا دائمًا من هويته الرقمية.
وتحذر UNICEF في إرشاداتها حول ما يعرف بـ sharenting من أن الإفراط في مشاركة تفاصيل الأطفال وصورهم يمكن أن يمس خصوصيتهم، وأن الأثر الرقمي قد يصعب التحكم فيه بعد النشر.
فالطفل ليس ملكًا رقميًا لوالديه.
إنه إنسان له كرامته وخصوصيته أيضًا.
ثم جاءت مواقع التواصل… فاختلط الخاص بالعام
ولا نستطيع أن نلوم الناس وحدهم.
فنحن أيضًا فتحنا نوافذ كثيرة على حياتنا.
نصور المنزل.
والسيارة.
والطعام.
والرحلات.
والهدايا.
والأبناء.
والاحتفالات.
وأحيانًا الخلافات.
ثم نستغرب عندما يشعر الآخرون أن لهم حقًا في معرفة بقية القصة.
وهنا تصبح الخصوصية مسؤولية مشتركة.
فكما نقول للناس:
لا تتدخلوا في حياتنا.
ينبغي أن نسأل أنفسنا:
كم من حياتنا وضعناه نحن بأنفسنا أمامهم؟
ليس معنى ذلك أن من نشر شيئًا فقد حقه في الخصوصية. أبدًا.
لكن الحكمة أن نعرف أن ما نضعه في المجال العام قد يصعب استعادته إلى الخاص مرة أخرى.
فبعض الأبواب إذا فتحناها للجمهور، يصعب أن نحدد بعد ذلك من يدخل منها.
القرآن وضع حدودًا حتى للأعين
من أجمل ما في الإسلام أنه لم يحفظ البيوت بالجدران فقط…
بل حفظها بالأخلاق.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾ [النور: 27].
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12].
تأمل هذا المعنى…
كما أن للبيت بابًا لا تدخل منه دون إذن، فإن لحياة الإنسان أبوابًا أيضًا.
باب لماله.
وباب لزواجه.
وباب لأبنائه.
وباب لأحزانه.
وباب لأسراره.
وليس مجرد قربك منه تصريحًا لك بالدخول إلى جميعها.
تعلموا أن تقولوا: لا أعلم
هناك جملة صغيرة نفتقدها في مجالسنا:
لا أعلم.
فلان تطلق، ما السبب؟
لا أعلم.
كم راتبه؟
لا أعلم.
لماذا لم ينجب؟
لا أعلم، وهذا شأنه.
ماذا حدث بين فلان وزوجته؟
لا أعرف، وأسأل الله أن يصلح شأنهما.
كم من إشاعة كانت ستموت لو امتلك شخص واحد شجاعة أن يقول:
هذا ليس من شأني.
فالامتناع عن معرفة بعض الأشياء ليس نقصًا في المعرفة…
بل قد يكون كمالًا في الأدب.
دع للناس غرفًا لا تدخلها
نحن لا نحتاج أن نعرف كل شيء عن الذين نحبهم حتى نحبهم.
ولا أن نعرف أسرار الجيران حتى نحسن جوارهم.
ولا تفاصيل زملائنا حتى نحترمهم.
ولا أسباب كل طلاق حتى ندعو لأصحابه بالخير.
ولا أرصدة الناس حتى نعرف قدرهم.
هناك جمال في أن تبقى للإنسان مساحة تخصه وحده.
مكان لا تدخله الكاميرا.
ولا يصل إليه السؤال.
ولا تتناقله المجالس.
ولا تحاكمه فيه عيون الآخرين.
فإذا أراد أن يحدثك، فاستمع.
وإذا طلب نصيحتك، فانصح.
وإذا احتاج مساعدتك، فساعد.
أما إذا أغلق بابًا من أبواب حياته…
فلا تنظر من ثقب المفتاح.
وتذكر قبل أن تسأل إنسانًا سؤالًا شخصيًا:
ربما يبدو السؤال بسيطًا بالنسبة إليك، لكنه يفتح عنده بابًا من الألم ظل طويلًا يحاول إغلاقه.
فليس كل صمت غموضًا يحتاج أن نكشفه.
وليس كل سر قصةً ينبغي أن نعرفها.
وليس كل ما يحدث في حياة الآخرين شأنًا عامًا.
فالخصوصية ليست أن يكون لدى الإنسان ما يخفيه… بل أن يكون لديه ما لا يحق للآخرين أن يطالبوه بكشفه.
وأحيانًا يكون أرقى احترام تقدمه لإنسان…
أن تعرف أين تنتهي علاقتك به، وأين تبدأ حياته التي لا تخص إلاه.











