من البندقية المؤدلجة إلى الكرسي التنفيذي: كيف قوضت رموز السلاح المنفلت هيبة الدولة العراقية؟
بقلم: د. رياض عبد الستار الدليمي
تُشكل مأسسة التشكيلات المسلحة خارج إطار الجيش الوطني العراقي الخلل الإستراتيجي الأكبر الذي يهدد كيان الدولة وسيادتها منذ عام 2003. ولا يمكن فهم جذور الأزمة الأمنية والسياسية الحالية دون تفكيك السجل التاريخي للرموز والقيادات التي أدارت هذه التشكيلات، وعبرت بها من ساحات الولاءات الخارجية إلى أروقة القرار التشريعي والتنفيذي.
أولاً: جذور الولاء وتأسيس العقيدة الموازية
بدأت نوات السلاح المنفلت في ثمانينيات القرن الماضي؛ حيث قادت شخصيات نافذة تشكيلات عسكرية قاتلت ضد الجيش العراقي في الحرب العراقية الإيرانية تحت مظلة عقائدية وتنظيمية ترتبط بشرعية خارج الحدود. إن هذا التأسيس لم ينطلق من مفهوم “المواطنة” أو الدفاع عن حدود العراق، بل قام على عقيدة أيديولوجية تُقدم الولاء الفكري والإقليمي على حساب السيادة الوطنية والمؤسسة العسكرية الرسمية.
ثانياً: تصفية الكفاءات وتقويض المؤسسة العسكرية
عقب أحداث عام 2003، استغلت الجماعات المسلحة حالة الفراغ الأمني لتمرير أجندات استهدفت البنية التحتية للدولة، وتجلى ذلك في:
تصفية العقول والكفاءات: اغتيال الطيارين، والضباط، والأكاديميين، والعلماء الذين شكلوا النواة الصلبة للدولة العراقية، في محاولة لإفراغ البلاد من رصيدها البشري والعسكري.
دحرجة مفهوم “الجيش الموازي”: عرقلة إعادة بناء الجيش العراقي والقوات الأمنية كعقيدة وطنية حصرية، والاستعاضة عنها بفصائل وميليشيات متعددة الولاءات تحظى بالتغطية المالية والتمكين الإداري من الموازنة الاتحادية.
ثالثاً: قمع الحراك الشعبي واحتكار القرار
أكدت الأحداث الوطنية المتلاحقة، ولاسيما ثورة تشرين عام 2019، أن البندقية المؤدلجة لا تستهدف الخصوم الخارجين فحسب، بل تُصوَّبُ مباشرةً نحو الصدور العارية للمواطنين المطالبين بالخدمات والكرامة. لقد أقرت قيادات هذه الفصائل بإشرافها ومشاركتها في إنهاء الاعتصامات السلمية واستخدام العنف المفرط ضد الشباب الثائر، متجاوزةً القوانين الوطنية والمعايير الإنسانية لضمان بقاء المنظومة.
رابعاً: الاستحقاق الدستوري والحل الوطني
إن استمرار محاولات تمرير قوانين تشرعن وجود التشكيلات المؤدلجة يمثل التفافاً صريحاً على المادة (9) من الدستور العراقي، التي تحظر تكوين مفارز عسكرية خارج إطار القوات المسلحة.
ولإعادة الهيبة والمواطنة إلى الدولة العراقية، تقتضي المصلحة الوطنية العليا اتخاذ الخطوات التالية:
1. حصر السلاح حكراً: قصر حيازة واستخدام كافة أنواع السلاح (الخفيف، المتوسط، والثقيل) بيد الجيش والشرطة الاتحادية حصراً.
2. إعادة التأهيل وتفكيك الدمج السياسي: منع زج العناصر المؤدلجة في الأجهزة الأمنية دون خضوعهم لتأهيل فكري ومواطني شامل، وفصل المال السياسي والعمل الحزبي عن السلاح.
3. تفعيل الإدارة اللامركزية: تمكين المحافظات إدارياً ومالياً لحماية ثرواتها وإدارتها بعيداً عن هيمنة المحاصصة وسلاح الفصائل.
إن بناء دولة المؤسسات والقانون لا يستقيم مع بقاء السلاح المنفلت، وسيظل التاريخ شاهداً على أن سيادة العراق لا تُستعاد إلا ببندقية وطنية واحدة تحت علم البلاد وسقف دستورها.















