بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
ليست كل الدموع ماءً مالحًا يسقط من العين…
فهناك دمعة تحمل خلفها ليالي كاملة من الصبر، وأبوابًا طُرقت ولم تُفتح، وأصواتًا استغاثت فلم يسمعها أحد، وحقوقًا ضاعت، وقلوبًا خذلها أقرب الناس إليها.
هناك دمعة لا تسقط لأن صاحبها ضعيف…
بل لأنها كانت آخر ما تبقى له من القوة.
رجل أثقلته الديون، وأغلقت الأبواب في وجهه.
امرأة ذاقت ظلمًا لا تستطيع دفعه.
شاب يحمل شهادةً وطموحًا، لكنه يرى الأيام تمضي ولا يجد موضعًا لقدمه.
أب يقف عاجزًا أمام حاجة أبنائه.
مسن ينتظر سؤالًا من أبنائه فلا يأتي.
ومظلوم يطرق بابًا بعد باب، وكلما ظن أن وراء الباب يدًا تمتد إليه، وجده مغلقًا.
هؤلاء قد لا نسمع أصواتهم…
لكن الله يسمع حتى ما عجزوا عن قوله.
هناك بكاء لا يراه أحد
أشد أنواع البكاء ليس دائمًا ذلك الذي نراه.
هناك إنسان يضحك معنا في المجلس، ثم يعود إلى غرفته فيبكي وحده.
يذهب إلى عمله بوجه طبيعي، وفي داخله معركة لا يعرف عنها زملاؤه شيئًا.
يسأله الناس:
كيف حالك؟
فيقول:
الحمد لله.
وهي كلمة صادقة عظيمة، لكن وراءها أحيانًا حكاية لو عرفناها لجلسنا إلى جواره طويلًا.
ليس كل من صمت بخير.
وليس كل من ابتسم سعيدًا.
وليس كل من لم يطلب المساعدة مستغنيًا عنها.
فبعض الناس تمنعهم كرامتهم من أن يقولوا: ساعدوني.
ولهذا فإن الرحمة ليست فقط أن تساعد من يطرق بابك…
بل أن تنتبه أحيانًا إلى ذلك الذي لم يعد يملك القوة ليطرق الباب أصلًا.
حين يتخلى الجميع
وما أقسى أن تأتي المصيبة من جهة، ثم يأتي الخذلان من كل الجهات الأخرى.
يبحث الإنسان عن قريب فيجده بعيدًا.
وعن صديق فيجده مشغولًا.
وعن مسؤول فيجده خلف باب مغلق.
وعن مجتمع يحتضنه، فيجد من يلومه قبل أن يسمع حكايته.
وحين تتكرر الخيبات، قد يبدأ صوت مظلم يتسلل إلى داخله:
لا أحد يهتم بك.
لن يتغير شيء.
انتهت الطرق.
وهنا تكمن الخطورة.
فالإنسان في أشد لحظات ضعفه لا يحتاج إلى محاضرة طويلة بقدر ما يحتاج أحيانًا إلى إنسان.
يد تمسك بيده.
أذن تسمعه.
باب يفتح.
كلمة تقول له:
أنا معك… ولن أتركك وحدك في هذه المحنة.
وقد تكون تلك الكلمة، التي لم تكلف صاحبها شيئًا، أثمن عند إنسان منكسر من مال كثير.
لا تيأس… حتى إن خذلك البشر
ومهما ضاقت الدنيا، هناك باب لا ينبغي أن يغيب عن القلب.
قال يعقوب عليه السلام لأبنائه:
﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
قالها رجل فقد يوسف سنوات، ثم فقد أخاه، وابيضت عيناه من الحزن…
ومع ذلك لم يقل: انتهى كل شيء.
قال:
﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾.
وهنا رسالة لكل قلب أثقله القهر:
قد يغلق البشر بابًا.
وقد يتخلى عنك من ظننت أنه لن يتخلى.
وقد يتأخر الفرج حتى تظن أنه لن يأتي.
لكن لا تجعل خذلان البشر يفسد يقينك بالله.
فالناس أسباب، والله رب الأسباب.
الله لا يظلم دمعة
ومن أعظم ما يطمئن قلب المظلوم قول الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40].
قد يضيع حقك عند البشر.
وقد يفلت ظالم من حساب الدنيا.
وقد لا يسمع أحد روايتك كاملة.
لكن شيئًا لم يضع عند الله.
لا كلمة قيلت في حقك ظلمًا.
ولا ليلة قضيتها مهمومًا.
ولا دمعة مسحتها قبل أن يراها أبناؤك.
ولا ألم ابتلعته حتى لا تشتكي.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أن ما يصيب المؤمن من الأذى يكون سببًا في رفع درجته أو تكفير خطاياه.
ولهذا فإن دمعة المقهور ليست رخيصة…
إنها عند الله معلومة، وإن جهل البشر قصتها.
ولكن… أين كنا نحن؟
وهنا ينبغي ألا نجعل المقال كله خطابًا للمظلوم.
فلنلتفت إلى أنفسنا أيضًا.
كم إنسانًا مرّ بجوارنا وكان يحتاج إلينا؟
كم شخصًا قال لنا: «أنا متعب»، فغيرنا الموضوع؟
كم محتاجًا استطعنا مساعدته فقلنا: غيرنا سيفعل؟
كم مظلومًا عرفنا قصته واخترنا الصمت لأن التدخل سيكلفنا شيئًا؟
ليس المطلوب أن نحل مشكلات العالم كلها.
لكن كل واحد منا يستطيع أن يكون بابًا واحدًا لا يُغلق في وجه إنسان.
قد لا تستطيع سداد دينه، لكن تستطيع أن تدله على من يساعده.
قد لا تستطيع إنهاء ظلمه، لكن تستطيع أن تقف شاهد حق.
قد لا تملك المال، لكنك تملك الهاتف الذي تستطيع أن تسأل به:
كيف حالك اليوم؟
لا تحتقر هذه الأشياء.
فأحيانًا لا يحتاج الغريق إلى سفينة…
يحتاج إلى يد واحدة تصل إليه في الوقت المناسب.
لا تجعل المقهور وحيدًا مع أفكاره
والإنسان عندما يشتد عليه اليأس يحتاج إلى الإيمان، نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى الناس.
فلا نقول لمن انهار: إيمانك ضعيف، ونتركه.
ولا نختصر ألمه في موعظة.
الإيمان يأمرنا أصلًا أن نقف معه.
أن نسمعه.
أن نحميه إن كان مظلومًا.
وأن نساعده في الوصول إلى أهل الاختصاص إذا أصبح حزنه أو يأسه أكبر من قدرته على الاحتمال.
فطلب المساعدة ليس عيبًا، والعلاج ليس نقصًا في التوكل؛ وقد ثبت عن النبي ﷺ تقرير مبدأ التداوي وأن للأدواء أسبابًا للعلاج بإذن الله.
فلا تترك إنسانًا يغرق ثم تعاتبه لأنه لم يعرف السباحة.
دموع أغلى من الماس
الماس غالٍ لأنه نادر.
لكن بعض الدموع أغلى منه لأنها خرجت من قلب صبر طويلًا قبل أن ينكسر.
دمعة أم أخفت ألمها عن أبنائها.
ودمعة أب عجز عن توفير حاجة لهم.
ودمعة مظلوم لم يجد من ينصفه.
ودمعة إنسان تخلى عنه من كان يظنهم سنده.
هذه الدموع لا تحتاج منا إلى تصوير، ولا فضول، ولا شفقة عابرة.
تحتاج إلى رحمة تتحول إلى فعل.
فإذا رأيت يومًا إنسانًا يبكي من القهر، فلا تسأله أولًا:
لماذا تبكي؟
اقترب منه، وأشعره أنه ليس وحده.
فربما يحكي.
وربما يصمت.
لكن وجودك بجانبه قد يقول ما تعجز عنه الكلمات.
وتذكر…
قد تمر في حياتك بإنسان يقف على آخر خيط من الأمل، ولا تعرف ذلك.
وقد تكون مكالمتك، أو زيارتك، أو إنصافك له، أو مساعدتك الصغيرة هي الشيء الذي يعيده خطوةً إلى الحياة.
فلا تؤجل الرحمة.
ولا تقل: غيري سيساعده.
فربما كان الجميع يقولون الشيء نفسه.
وحين ترى دمعة قهر تسقط من عين إنسان، لا تنظر إليها على أنها مجرد دمعة…
فقد تكون خلفها حكاية خذله فيها كثيرون.
**وقد تكون أغلى من الماس؛ لا لقيمة ما سقط من عينه، بل لقيمة الإنسان الذي كان يمكن إنقاذ شيءٍ في داخله… لو أن يدًا امتدت إليه في الوقت المناسب.**















