بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
كان الإنسان قديمًا يحتاج أن ينجز شيئًا حتى يعرفه الناس.
يكتب كتابًا، أو يبدع علمًا، أو يقدم فنًا، أو يخدم مجتمعه، أو يحقق إنجازًا يجعل اسمه معروفًا.
أما اليوم، فقد انقلب السؤال عند بعض الناس:
لم يعد: ماذا قدمت حتى يعرفني الناس؟
بل أصبح:
ماذا أفعل حتى يعرفني الناس؟
وبين السؤالين تغيرت أشياء كثيرة.
فالأول يجعل الشهرة نتيجةً لعمل، أما الثاني فقد يجعل الشهرة هي العمل نفسه.
ومن هنا تبدأ المشكلة.
الشهرة ليست مذمومة
ليس كل مشهور باحثًا عن الأضواء، وليس كل صانع محتوى سطحيًا.
فمنصات التواصل فتحت أبوابًا عظيمة للعلم والتعليم والتجارة والأدب والفن والعمل الخيري ونشر الخبرات، وأتاحت لأصحاب المواهب أن يصلوا إلى جمهور ربما لم يكونوا يستطيعون الوصول إليه من قبل.
فقد يصبح الظهور وسيلة للخير.
معلم ينشر علمه.
وطبيب يوعي الناس.
وكاتب يحمل فكرة.
ومبدع يعرض موهبته.
وصاحب تجربة ينقل خبرته.
المشكلة إذن ليست أن يعرفك الناس.
المشكلة أن يصبح السؤال الذي يحكم حياتك:
كيف أجعل الناس لا يتوقفون عن النظر إليَّ؟
حين تتحول الأرقام إلى مرآة
متابعون.
مشاهدات.
إعجابات.
مشاركات.
تعليقات.
أرقام صغيرة تظهر على الشاشة، لكنها قد تصبح عند بعض الناس مقياسًا لقيمتهم.
ينشر مقطعًا، ثم يعود بعد دقائق:
كم شاهد؟
من علّق؟
لماذا لم ينتشر؟
لماذا مقطع فلان وصل إلى مليون وأنا لم أصل؟
وهكذا ينتقل الإنسان شيئًا فشيئًا من صناعة المحتوى إلى انتظار التصفيق.
بل إن بعض خصائص المنصات صُممت أصلًا لتعزيز الاستمرار في التفاعل؛ مثل التمرير اللانهائي، والتشغيل التلقائي، والإشعارات، وأعداد الإعجابات والمشاهدات. وتوضح UNICEF أن كثيرًا من خوارزميات المنصات تتعلم ما يبقي المستخدم متفاعلًا مدة أطول، ثم تقدم له المزيد منه.
وهنا يواجه صانع المحتوى إغراءً مستمرًا:
ما الذي يجذب الناس أكثر؟
وليس دائمًا:
ما الذي ينفعهم أكثر؟
حين لا تكفي الشهرة
المشكلة أن عين الجمهور تجوع سريعًا.
ما كان غريبًا بالأمس يصبح عاديًا اليوم.
وما صنع ألف مشاهدة قد يحتاج غدًا إلى شيء أكثر إثارة ليصنع عشرة آلاف.
فيبدأ بعض الناس بالتنازل خطوةً بعد خطوة.
يكشف شيئًا من خصوصيته.
ثم يصور بيته.
ثم خلافاته.
ثم أبناءه.
ثم لحظات كان ينبغي أن تبقى بينه وبين أسرته.
ثم قد يقول أو يفعل شيئًا لا يؤمن به أصلًا، لكنه يعرف أن الناس سيتحدثون عنه.
وهنا تقع المفارقة المؤلمة:
كان يريد الشهرة ليملك جمهورًا، فإذا بالجمهور هو الذي بدأ يملكه.
يضحك عندما يريدون.
ويغضب عندما ينتظرون.
ويكشف ما يطلبون.
ويعيش أمام الكاميرا حتى يصبح إغلاقها لحظةً لا يعرف فيها ماذا يفعل بنفسه.
حين يصبح البيت استوديو
وهنا أرى واحدة من أخطر القضايا: خصوصية الأسرة.
ليس كل ما يحدث في البيت محتوى.
وليس كل موقف طريف مع الزوجة أو الزوج يستحق النشر.
وليست دموع الطفل ملكًا لمتابعي والديه.
ولا مرضه.
ولا عقابه.
ولا خوفه.
ولا درجاته.
ولا أسراره الصغيرة.
فالطفل الذي يظهر اليوم في مقطع لا يستطيع دائمًا أن يفهم أن صورته قد تبقى سنوات طويلة على الإنترنت.
وتنبه UNICEF إلى أن نشر الآباء المستمر لتفاصيل أطفالهم قد يؤثر في خصوصيتهم وسمعتهم، وأن مشاركة المحتوى عن الطفل دون إشراكه – عندما يسمح عمره بذلك – تفوّت أيضًا فرصة تعليمه معنى الموافقة واحترام الخصوصية. كما أن ما يُنشر رقميًا قد يصعب محوه بالكامل لاحقًا.
أبناؤنا ليسوا أدوات لزيادة المشاهدات.
وهذه جملة تستحق أن نقولها بوضوح.
كل شيء أصبح قابلًا للتصوير
ومن أغرب ما فعلته ثقافة الظهور أنها غيّرت علاقتنا باللحظة نفسها.
يسافر الإنسان، فيفكر كيف يصور الرحلة.
يأكل، فيصور الطبق.
يتلقى هدية، فيصورها.
يزور مريضًا، فيصور الزيارة.
يفعل خيرًا، وقد يبحث أولًا عن زاوية الكاميرا.
حتى اللحظات الحميمية بين الإنسان وربه أو أسرته أصبحت عند البعض قابلة للتحويل إلى منشور.
ولا يعني ذلك أن التصوير أو مشاركة الفرح خطأ.
لكن السؤال الذي ينبغي أن نسأله أحيانًا:
لو لم يكن هناك أحد سيرى هذا… هل كنت سأفعله بالطريقة نفسها؟
سؤال صغير، لكنه يكشف أشياء كثيرة.
ماذا لو خسرنا أنفسنا لنربح الجمهور؟
قال الله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾
[هود: 15].
والإسلام لا يمنع الإنسان من أن يُعرف بخير، لكنه يربي في داخله سؤال النية.
لماذا أفعل هذا؟
لله؟
لنفع الناس؟
لإيصال علم أو موهبة أو رسالة؟
أم لأنني أصبحت أحتاج أن يراني الآخرون حتى أشعر أنني موجود؟
وهنا يصبح الخطر على القلب أكبر من الخطر على الخصوصية.
فقد يبدأ الإنسان بعمل جميل لوجه الله، ثم يكتشف بعد سنوات أن إعجاب الناس أصبح أحب إلى قلبه من العمل نفسه.
الشهرة لا تعني القيمة
هناك أناس يتابعهم الملايين، وسيطوي الزمن أسماءهم.
وهناك معلم في قرية صغيرة ربما لا يعرفه إلا مئات الطلاب، لكنه غيّر حياة أجيال.
وهناك أم لا تملك حسابًا مشهورًا، لكنها بنت أسرة صالحة.
وهناك طبيب أنقذ أرواحًا ولم يصور شيئًا.
وهناك إنسان قضى حياته يفعل الخير بصمت، لا يعرف اسمه جمهور، لكن يعرفه المحتاجون.
فلا تخلط بين أن تكون معروفًا وأن تكون ذا قيمة.
الانتشار رقم.
أما الأثر فشيء آخر.
اصنع محتوى… ولا تجعل المحتوى يصنعك
اصنع.
واكتب.
وصور.
وعلّم.
وأضحك الناس بما يحفظ كرامتك وكرامتهم.
وانشر موهبتك.
وابنِ مشروعك.
ولا تخجل من النجاح والانتشار إذا جاءا ثمرةً لشيء نافع وجميل.
لكن ضع لنفسك خطوطًا لا تتجاوزها مهما ارتفعت المشاهدات.
خصوصيتك ليست للبيع.
وكرامتك ليست محتوى.
وأسرار بيتك ليست ملكًا للجمهور.
وأطفالك ليسوا وسيلة لرفع التفاعل.
وقيمك لا ينبغي أن تتغير مع الخوارزمية.
فإذا كان ثمن الشهرة أن تخسر نفسك، فقد دفعت أكثر مما ربحت.
حين تنطفئ الكاميرا
في النهاية، سيأتي وقت يغلق فيه الإنسان هاتفه.
لن تبقى الشاشة مضاءة طوال العمر.
وقد يأتي جيل جديد، ومنصة جديدة، ووجه جديد يأخذ اهتمام الجمهور.
وحين ينصرف الناس، سيبقى السؤال:
ماذا بقي منك عندما لم يعد أحد يشاهد؟
هل بقي علم؟
هل بقي أثر؟
هل بقيت أسرة تحبك؟
هل بقيت كرامتك؟
هل بقي قلبك كما كان قبل أن يعرفك الناس؟
أم أنك أمضيت سنوات تبني صورةً أمام الجمهور، ثم اكتشفت أنك أهملت الإنسان الذي كان يقف خلفها؟
فالشهرة ليست خطيئة…
وقد تكون نعمة عظيمة إذا حملت بها خيرًا إلى الناس.
لكنها تصبح عبئًا حين يتحول الظهور من وسيلة لرسالة إلى غاية للحياة.
لذلك لا تسأل دائمًا:
كم شخصًا شاهدني؟
واسأل أحيانًا سؤالًا أهم:
ماذا شاهدوا مني؟ وماذا بقي فيهم بعد أن مررت أمام شاشاتهم؟
فليس النجاح أن يعرف اسمك أكبر عدد من الناس…
**النجاح أن يكون هناك شيء يستحق أن يعرفوك به.**















