بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
ما أعجب هذا القلب!
كم من إنسانٍ أحببناه يومًا حتى ظننا أن مودته لن تتغير، ثم مرّت الأيام فإذا بالقريب بعيد، وبالحديث صمت، وبالمودة فتور. وكم من إنسان كان قلبه متعلقًا بطاعة الله، فإذا بالدنيا تشغله شيئًا فشيئًا، حتى يستيقظ ذات يوم فيجد بينه وبين ما كان يحبه مسافةً لا يعرف متى بدأت.
فالقلوب تتغير، والنفوس تتأثر، والإنسان ليس في كل أيامه كما كان.
ومن هنا نفهم شيئًا من سر ذلك الدعاء الذي كان النبي ﷺ يكثر منه:
«يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك».
فسألته أم سلمة رضي الله عنها عن كثرة دعائه بذلك، فبيّن لها ﷺ أن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. رواه الترمذي.
فإذا كان رسول الله ﷺ يدعو بالثبات، فكم نحن أحوج إلى هذا الدعاء؟
ما القلب المتقلب؟
ليس القلب المتقلب هو القلب الذي يحزن يومًا ويفرح يومًا، أو يحب شيئًا ثم يكتشف أنه أخطأ فيه فيغير رأيه؛ فالتغير جزء من طبيعة الإنسان، وقد يكون أحيانًا علامة نضج وهداية.
إنما يصبح التقلب مؤلمًا حين يفقد الإنسان البوصلة التي تحكم تغيره.
فيقترب اليوم ويهجر غدًا بلا سبب واضح، ويعطي العهود ثم ينقضها، ويتحمس للطاعة ثم يهجرها، ويحب الإنسان ما دام ينتفع منه ثم يتغير عليه إذا انتهت المصلحة.
وهناك قلب يتغير إلى الأفضل؛ من معصية إلى توبة، ومن غفلة إلى يقظة، ومن صحبة سيئة إلى صحبة صالحة.
فليس المطلوب أن يبقى الإنسان كما كان دائمًا.
بل المطلوب أن يكون تغيّره نحو النور، لا بعيدًا عنه.
لماذا تتقلب القلوب؟
أسباب كثيرة قد تتسلل إلى القلب دون أن نشعر.
الذنوب حين تتكرر.
والهوى حين يصبح قائدًا.
والصحبة التي تغير أفكار الإنسان وقيمه.
والمال والمصلحة والمنصب والشهرة.
والغضب والحسد.
وكثرة التعرض للفتن.
وأحيانًا كلمة يسمعها الإنسان مرارًا حتى يصدقها، أو بيئة يعيش فيها طويلًا حتى يصبح ما كان يستنكره بالأمس أمرًا عاديًا اليوم.
والقلب لا ينقلب دائمًا فجأة.
تلك هي الحقيقة المخيفة.
قد يبدأ التغير خطوة صغيرة جدًا.
صلاة يؤخرها.
ومعصية يستهين بها.
وصديق صالح يبتعد عنه.
ومجلس سوء يقترب منه.
وحق يعرفه لكنه يؤجل اتباعه.
حتى يصبح ما كان يؤلمه لا يؤلمه، وما كان يخشاه لا يخشاه، وما كان قلبه يشتاق إليه لا يفتقده.
ولهذا جاء قول الله تعالى:
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[الأنعام: 110].
وقد ذكر المفسرون في سياقها معنى العقوبة على الإعراض عن الحق بعد ظهوره؛ وكأن فيها إنذارًا للإنسان: إذا طرق الحق قلبك، فلا تؤجل الاستجابة إليه حتى يألف القلب الإعراض.
حين يتعب المتقلب من نفسه
وقد نظن أن صاحب القلب المتقلب يؤذي الآخرين فقط، لكنه في أحيان كثيرة يكون أول من يتعب.
لا يعرف ماذا يريد.
يقترب ثم يخاف فيبتعد.
يقرر ثم يتراجع.
يشتاق إلى حياة الطاعة، ثم تغلبه شهوته.
يقطع علاقة، ثم يحن إليها.
ويبدأ طريقًا ثم يتركه.
وهكذا يعيش بين رغبات متعارضة، حتى يفقد شيئًا فشيئًا ثقته بقراراته، وقد يفقد الآخرون ثقتهم به أيضًا.
فمن أصعب العلاقات أن تعيش مع إنسان لا تعرف أي قلب سيقابلك به غدًا.
ولذلك فإن الثبات لا يعني الجمود؛ وإنما يعني أن تكون للإنسان قيم ثابتة وإن تغيرت ظروفه ومشاعره.
قد أغضب منك، لكنني لا أظلمك.
وقد تنتهي علاقتنا، لكنني لا أفضح أسرارك.
وقد أختلف معك، لكنني لا أنكر فضلك.
وقد تتغير مشاعري، لكن أخلاقي لا تتغير معها.
وهنا يظهر الفرق بين تقلب المشاعر وتقلب المبادئ.
وفي العلاقات… لا تجعل قلب إنسان وطنك الوحيد
من أكثر ما يؤلم الإنسان أن يكتشف أن قلبًا كان يسكنه بالأمس لم يعد يريده اليوم.
وهذا يحدث.
ليس لأن كل الناس سيئون، وإنما لأن البشر يتغيرون.
ولهذا، أحبَّ الناس وأخلص لهم، وأحسن إليهم، واحفظ عهودهم، لكن لا تجعل وجود إنسان واحد هو الشرط الوحيد لسعادتك.
ولا تجعل قلبًا بشريًا وطنك الوحيد؛ فالقلوب البشرية تتغير، أما تعلق القلب بالله فهو الذي يعينه حين تتغير الأشياء من حوله.
قال تعالى:
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: 58].
كم تحمل هذه الآية من الطمأنينة!
نحن نتعلق بأناس سيرحلون يومًا، ونبني أحيانًا كل سعادتنا على أشياء زائلة، ثم نتألم حين تؤدي الدنيا طبيعتها وتتغير.
فليكن في قلبك للناس محبة، ولكن ليكن مركز القلب لله.
كيف نثبت قلوبنا؟
البداية أن نعترف بأننا نحتاج إلى الله.
لا تقل: إيماني قوي ولن أتغير.
ولا تقل: أنا أعرف نفسي.
فالذي علّمنا دعاء الثبات هو رسول الله ﷺ.
قل:
«يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك».
ثم أعط قلبك ما يثبته: القرآن، والصلاة، والذكر، والتوبة، والصحبة الصالحة، والبعد عن مواطن الفتنة، ومحاسبة النفس قبل أن تتراكم عليها الغفلة.
ولا تتخذ قرارات حياتك الكبرى وأنت في ذروة الغضب، أو الحزن، أو الانبهار؛ فالمشاعر العاصفة مستشار سيئ.
وأعد النظر في قلبك بين حين وآخر.
اسأل نفسك:
هل ما زالت الصلاة تعني لي ما كانت تعنيه؟
هل أصبحت أقبل شيئًا كنت أعلم أنه خطأ؟
هل تغيرت معاملتي لأهلي؟
هل غيرتني المصلحة؟
هل أصبحت قاسيًا على إنسان كنت أحسن إليه؟
متى بدأ هذا التغير؟
فمحاسبة القلب قبل أن يقسو أيسر من محاولة إحيائه بعد طول الغفلة.
يوم تتقلب فيه القلوب والأبصار
ثم يأتي يوم آخر ذكر الله فيه تقلب القلوب، ولكنه تقلب مختلف؛ يوم القيامة:
﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾
[النور: 37].
ذكر المفسرون أن ذلك من شدة أهوال ذلك اليوم وفزعه.
وكأن بين المعنيين تذكرة لنا:
ثبّت قلبك اليوم قبل أن يأتي يوم تتقلب فيه القلوب من الهول.
قلب يعرف طريق العودة
لسنا ملائكة.
سنضعف.
وسنخطئ.
وقد تتغير بعض مشاعرنا.
وقد نبتعد أحيانًا عن الطريق.
لكن أجمل القلوب ليس قلبًا لم يتعثر قط، وإنما قلب كلما ابتعد عرف طريق العودة.
فلا تخف فقط من أن يتغير الناس عليك؛ خف أكثر من أن يتغير قلبك أنت وأنت لا تشعر.
أن يصبح المنكر مألوفًا.
وأن تصبح الطاعة ثقيلة.
وأن تصبح القسوة سهلة.
وأن تنطفئ في داخلك أشياء جميلة، ثم لا تتذكر متى انطفأت.
ولذلك، فإن أعظم ما نحتاج إليه ليس أن تبقى الدنيا كما نحب، ولا أن يبقى الناس كما عرفناهم؛ فكل ذلك متغير.
إنما نحتاج إلى قلب إذا تغيرت الدنيا من حوله لم يفقد بوصلته، وإذا أخطأ عاد، وإذا أذنب تاب، وإذا أحب لم يظلم، وإذا كره لم يفجر، وإذا ابتُلي لم يقطع رجاءه بالله.
فلندعُ كما دعا نبينا ﷺ:
«يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك».
فما أجمل أن يعيش الإنسان في دنيا متقلبة…
بقلب يعرف إلى أين يعود.












