أيتام البحر المنسيون وملك الرحمة

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان-مسقط

بعد غزو بولندا عام ١٩٣٩م من قبل ألمانيا والاتحاد السوفيتي ، تم ترحيل مئات الآلاف من البولنديين إلى سيبيريا ومعسكرات العملِ.

في زمنٍ كانت فيه البحار تمتلئ بالحرب، والحدود تُقفل بالخوف، والإنسان يُقاس بجواز سفره لا بدموعه، كاد *٧٤٩ طفلًا بولنديًا* أن يختفوا من ذاكرة العالم إلى الأبد.

كانوا أيتامًا صغارًا، خرجوا من جحيم الحرب العالمية الثانية، بعد أن ابتلعت معسكرات العمل السوفيتية آباءهم وأمهاتهم. بعضهم لم يحمل معه سوى اسمٍ بالكاد يتذكره، وبعضهم حمل أخًا أصغر من أن يفهم لماذا ماتت الأم ولماذا لا يعود الأب.

تاهت بهم السفينة فوق مياه المحيط الهندي، مثل نعشٍ كبير لا يعرف أين يُدفن.
ميناءٌ بعد ميناء، وساحلٌ بعد ساحل، ودولةٌ بعد أخرى… كان الجواب واحدًا: *لا*.

لا مكان لهم.
لا وقت لهم.
لا مسؤولية لنا تجاههم.

وفي داخل السفينة، كان الجوع يكبر، والدواء ينفد، والخوف يلتهم أعمارًا لم تبدأ بعد. كانت طفلة تمسك يد أخيها الصغير، تردد في قلبها وعدًا قطعته لأمها قبل أن تموت: *سأحميه*. لكن كيف يحمي طفلٌ طفلًا، إذا كان العالم كله قد قرر التخلي عنهما؟

ثم، وسط هذا الصمت القاسي، خرج صوتٌ مختلف.
لم يصدر من إمبراطورية، ولا من جيش، ولا من دولة عظمى… بل من رجل واحد في الهند اسمه (ديجفيجا يسينجي رانجيتسينجي جاديجا) ، حاكم ولاية ناواناغار.

حين أُبلغ بأن هناك مئات الأطفال التائهين لا يريدهم أحد، سأل بهدوء:
*كم طفلًا؟*

قالوا: سبعمئة وأربعون.

فسكت لحظة، ثم قال كلمته التي بقيت في ذاكرة التاريخ:
*قد يسيطرون على الموانئ… لكنهم لن يسيطروا على ضميري. دعوهم ينزلون.*

لم يمنحهم مأوى فقط، بل منحهم شيئًا أعظم: الإحساس بأنهم ما زالوا بشرًا.

أنشأ لهم مخيمًا في بالاشادي، ووفّر لهم الطعام والملابس والتعليم، وسمح لهم بالحفاظ على لغتهم ودينهم وهويتهم. ثم استقبلهم كأبٍ لا كحاكم، وقال لهم:

*لا تعتبروا أنفسكم أيتامًا… فأنا الآن والدكم.*

كم هو عجيب أن تعجز دولٌ بأكملها عن فعل ما فعله قلبٌ واحد.
وكم هو مدهش أن يكتب التاريخ أحيانًا بأيدي من لا يملكون القوة… بل الرحمة.

مرت السنوات، وانتهت الحرب، وكبر الأطفال. بعضهم عاد إلى بولندا ، وبعضهم حمل القصة معه إلى آخر العمر. لكن أحدًا منهم لم ينسَ الرجل الذي وقف في وجه العالم وقال: *نعم* حين قال الجميع *لا*.

واليوم، ما زالت وارسو تكرّمه، وما زال البولنديون يذكرونه بلقب: *المهراجا الطيب*.

لأن التاريخ لا يتذكر فقط من خاضوا الحروب…
بل يتذكر أيضًا من أنقذوا الأطفال منها.

* في عام ١٩٤٢م، وصل آلاف اللاجئين البولنديين إلى إيران، ومن بينهم الأطفال الذين نُقل بعضهم لاحقًا إلى الهند.

* كرّمته بولندا لاحقًا بإطلاق اسمه على مواقع عامة ومنحه أوسمة رسمية بعد وفاته.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24