اللبان العُماني… عطر الحضارات ورسالة عُمان إلى العالم

بقلم ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

منذ آلاف السنين، لم يكن اللبان العُماني مجرد مادةٍ عطرية تُحرق في المناسبات أو تُزيّن بها المجالس، بل كان سفيراً حضارياً حمل اسم عُمان إلى أصقاع الأرض، وجسراً ربط الشرق بالغرب، وحكايةً خالدةً كتبتها الطبيعة على جبال ظفار وأوديتها.

ففي أقصى جنوب سلطنة عُمان، حيث تتعانق الجبال مع الضباب الموسمي، تنمو شجرة اللبان المباركة، المعروفة علمياً باسم
*بوسويليا ساكرا*،وتنتمي الى العائلة النباتية البورسرية، لتمنح العالم واحداً من أثمن الكنوز الطبيعية التي عرفتها البشرية عبر التاريخ.

ولم يكن اللبان سلعةً عادية، بل كان يُضاهي الذهب قيمةً في بعض الأزمنة، حتى أصبح جزءاً أساسياً من الاقتصاد العالمي القديم، وعصباً مهماً من أعصاب التجارة الدولية التي امتدت من جنوب الجزيرة العربية إلى مصر وبلاد فارس والهند والإمبراطورية الرومانية.

وعُرفت عُمان في الحضارات القديمة باسم *مجان*، واشتهرت بوفرة خيراتها البحرية والمعدنية واللبانية، حتى غدت مركزاً تجارياً مزدهراً يقصده التجار من مختلف بقاع الأرض.

وسلكت قوافل اللبان طرقاً صحراوية طويلة عُرفت باسم *طريق اللبان*، حاملةً معها عبق ظفار إلى الموانئ والأسواق والمعابد والقصور الملكية، حتى أصبحت بعض المواقع التاريخية المرتبطة بهذه التجارة، مثل مدينة سمهرم وشصر، شاهداً على هذه الحضارة العريقة، ونالت اعتراف العالم بإدراجها ضمن مواقع التراث العالمي.

ولم يقتصر استخدام اللبان على التجارة فقط، بل تجاوز ذلك ليصبح جزءاً من الطقوس الدينية والروحية لدى العديد من الحضارات القديمة. فقد استخدمه المصريون القدماء في التحنيط والعلاجات التجميلية، واستعان به اليونانيون والرومان واليهود في مراسمهم الدينية المختلفة.

ومع انتشار المسيحية عبر أوروبا، استمر حضور اللبان العُماني داخل الكنائس والأديرة خلال العصور الوسطى وحتى يومنا هذا، إذ كانت الكنائس الأوروبية تستورده لما يحمله من رمزية دينية وروحانية عميقة، حيث ارتبطت رائحته الزكية بمعاني الطهارة والسكينة والقداسة، وأصبح جزءاً من الطقوس التعبدية التي لا تزال قائمة في كثير من الكنائس حول العالم.

أما في عُمان، فلم يكن اللبان يوماً مجرد إرثٍ تاريخي، بل ظل حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، فهو عنوانٌ للكرم الأصيل، وعطرٌ يستقبل به الضيف، وتفوح به البيوت، وتُعطّر به الملابس والمجالس والمناسبات الاجتماعية.

والأجمل من ذلك أن طريقة حصاد اللبان لم تتغير كثيراً عبر آلاف السنين؛ فما زال المزارعون يجرون شقوقاً دقيقة في لحاء الشجرة، لتنساب العصارة البيضاء التي تتحول مع مرور الأيام إلى حبات ذهبية صلبة تُعرف بدموع اللبان.

واليوم، تتواصل جهود سلطنة عُمان في حماية هذه الثروة الوطنية من الاستنزاف، من خلال برامج المحافظة على أشجار اللبان وإجراء الدراسات العلمية الحديثة للكشف عن فوائده الطبية والعلاجية، فضلاً عن استخدامه في صناعة العطور العالمية الفاخرة.

إن اللبان العُماني ليس مجرد منتج طبيعي، بل هو ذاكرة وطن، ورائحة تاريخ، ورسالة حضارية تؤكد أن هذه الأرض الطيبة كانت، وما زالت، منارةً للعطاء والتواصل الإنساني عبر العصور.

وسيظل عبق اللبان شاهداً على أن عُمان لم تكن يوماً مجرد محطة على خارطة العالم، بل كانت حضارةً صنعت تاريخها بعطرٍ لا يزال يسافر عبر الزمن حتى يومنا هذا.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24