كمبوديا عندما تحولت الحقول إلى مقابر والإنسان إلى رقم
حين تحولت البلاد إلى حقول موت (1975 – 1979)

بقلم ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان مسقط
في التاريخ الإنساني لحظات مظلمة يصعب على العقل تصديقها، لحظات يصبح فيها الإنسان ضحية لأفكار متطرفة تتجاوز حدود الرحمة والعقل. ومن بين أكثر تلك الفصول ظلاماً ما حدث في *كمبوديا* خلال سبعينيات القرن العشرين، حين تحولت دولة كاملة إلى معسكر عمل ضخم، وأصبحت الحقول التي كانت تنبت الأرز مقابر جماعية عُرفت لاحقاً باسم *حقول القتل*.
كانت تلك السنوات الأربع – بين *1975 و1979* – كافية لتغيير مصير أمة بأكملها، حيث فقدت كمبوديا ما يقارب *ربع سكانها* خلال فترة قصيرة من حكم جماعة واحدة.
*سقوط العاصمة وبداية “السنة صفر”*
في *17 أبريل 1975* دخل مقاتلو حركة *الخمير الحمر* العاصمة الكمبودية *بنوم بنه* بعد سنوات من الحرب الأهلية. كان زعيم الحركة *بول بوت* وحلفاؤه يطمحون إلى إقامة مجتمع شيوعي زراعي خالص خالٍ من الطبقات والتعليم والمدينة الحديثة.
أعلن النظام الجديد بداية ما سماه “السنة صفر”، أي محو التاريخ السابق وبناء مجتمع جديد من الصفر.
لم تمضِ ساعات على سقوط العاصمة حتى صدر أمر غير مسبوق:
إخلاء المدينة بالكامل.
خلال أيام قليلة أُجبر نحو *مليوني إنسان* على مغادرة بيوتهم والسير إلى الأرياف تحت تهديد السلاح. المرضى أُخرجوا من المستشفيات، وكبار السن أُجبروا على السير لمسافات طويلة، بينما مات كثيرون على الطرقات من الجوع أو الإرهاق.
*مجتمع بلا مدارس ولا أطباء*
كانت رؤية الخمير الحمر تقوم على تحويل كمبوديا إلى مجتمع فلاحي خالص. لذلك استهدف النظام كل من يمثل المعرفة أو الحياة المدنية:
* الأطباء
* المعلمون
* المهندسون
* الموظفون الحكوميون
* الرهبان
* وحتى من كان يلبس نظارات!
كان مجرد الشك في أن الشخص “مثقف” كافياً للحكم عليه بالموت.
وقد تم إرسال ملايين الناس إلى *معسكرات العمل الجماعي* حيث كانوا يعملون لساعات طويلة في الحقول تحت حراسة مسلحة، مع حصص غذائية ضئيلة بالكاد تبقيهم على قيد الحياة.
*السجون السرية ومصانع التعذيب*
أنشأ النظام شبكة واسعة من السجون ومراكز التحقيق.
وأشهر هذه الأماكن كان *سجن تول سلينغ (S-21)* في العاصمة بنوم بنه، وهو مدرسة ثانوية حُولت إلى مركز تعذيب.
دخل هذا السجن ما يقارب *20 ألف معتقل* بين عامي 1975 و1979، ولم ينجُ منهم سوى
*سبعة أشخاص فقط*.
كان السجناء يُجبرون تحت التعذيب على الاعتراف بأنهم جواسيس أو خونة، ثم يُنقلون ليلاً إلى أماكن الإعدام خارج المدينة.
*حقول القتل*
في أطراف كمبوديا انتشرت مئات مواقع الإعدام الجماعي التي عُرفت لاحقاً باسم “حقول القتل”.
من أشهرها موقع *تشويونغ إك* قرب العاصمة، حيث اكتُشفت آلاف الجثث في مقابر جماعية بعد سقوط النظام. وقد عُثر في هذا الموقع وحده على *نحو 8895 جثة* بعد استخراجها من الأرض.
كان الضحايا يُقتلون غالباً بأدوات زراعية مثل الفؤوس والعصي لتوفير الذخيرة، ثم يُدفنون في حفر جماعية.
وبمرور الوقت اكتُشف أن البلاد كانت تضم *نحو 300 موقع من حقول القتل* المنتشرة في أنحاء كمبوديا.
*الأطفال في آلة النظام*
لم يكتفِ النظام باستخدام البالغين في هذه الجرائم، بل قام بتجنيد آلاف الأطفال والشباب في وحداته العسكرية والأمنية.
كان هؤلاء الأطفال يتعرضون لبرامج قاسية من *غسل الدماغ والتلقين الأيديولوجي*، حيث يُعلَّمون أن الولاء المطلق للحزب أهم من العائلة أو الدين أو الوطن. وقد استُخدم كثير منهم كحراس وجنود في السجون ومعسكرات العمل، وأُجبر بعضهم على المشاركة في أعمال القمع والعنف.
*عدد الضحايا*
تختلف التقديرات، لكن معظم الدراسات التاريخية تشير إلى أن عدد الضحايا الذين ماتوا نتيجة سياسات الخمير الحمر – سواء بالإعدام أو الجوع أو المرض أو العمل القسري – يتراوح بين:
*1.5 مليون و2 مليون إنسان*
أي ما يقارب *ربع سكان كمبوديا آنذاك*.
وقد شملت الضحايا أيضاً أقليات عرقية ودينية مثل *المسلمين التشام* والفيتناميين المقيمين في البلاد.
—
*النهاية: سقوط النظام*
بحلول أواخر عام *1978* تصاعدت الاشتباكات بين كمبوديا وفيتنام. وفي *يناير 1979* دخل الجيش الفيتنامي العاصمة بنوم بنه وأسقط نظام الخمير الحمر، منهياً واحدة من أبشع المآسي في القرن العشرين.
لكن البلاد التي تحررت من الحكم كانت شبه مدمرة:
مدن مهجورة، عائلات مفقودة، وحقول مليئة بعظام الضحايا.
*ذاكرة لا تُمحى*
اليوم تحولت بعض مواقع التعذيب والإعدام مثل *سجن تول سلينغ* وحقول تشويونغ إك إلى متاحف ونصب تذكارية، لتذكير العالم بما يمكن أن يحدث عندما تتحول الأيديولوجيا المتطرفة إلى سلطة مطلقة.
إن قصة كمبوديا ليست مجرد فصل من الماضي، بل تحذير دائم للبشرية:
حين يُلغى الإنسان باسم الفكرة، تتحول الأرض نفسها إلى مقبرة.


