مقالات

حرب الشفق… حين يتحول الصراع الأميركي-الإيراني إلى قدر دائم للمنطقة الملتهبة

الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

في قراءة أولية يعكس ماتضمنه كتاب حرب الشفق …خفايا ثلاثين عاماً من العلاقات المتوترة الأمريكية مع ملالي ايران للمؤرخ العسكري الأميركي ديفيد كريست قراءة عميقة في طبيعة العلاقة الملتبسة بين واشنطن وطهران منذ عام 1979. لا ينظر كريست إلى هذه العلاقة كسلسلة أزمات منفصلة بل بوصفها ((حرباً شفقية))ممتدة !! وصراعاً لا يُعلن رسمياً لكنه يتجسد في عمليات سرية …وحروب بالوكالة واشتباكات بحرية وضغوط سياسية واقتصادية متبادلة تبقي الطرفين في حالة عداء دائم دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

ورغم اني اعلم كما يعلم كثيرين ان نظام الخميني الذي تأسس على انقاض نظام الشاه في طهران ١٩٧٩ تأسس بجهود مشتركة من المخابرات الفرنسية والبريطانية والأمريكية وهذا النظام قدم خدمات جليلة لا تحصى للغرب الرأسمالي بدأً من شن العدوان على العراق ١٩٨٠/٩/٤ودفع انظمة كثيرة للتطبيع مع اسرائيل وصولا إلى الأوضاع الكارثية في المنطقة واحتلال العراق وافغانستان ووو …إلى آخره.

 

يتمثل جوهر الكتاب في فكرة أن سوء الإدراك المتبادل وغياب الثقة البنيوي وتضارب الأهداف الاستراتيجية وكلها عوامل رسّخت هذا الصراع وأعادت إنتاجه عبر العقود. فالولايات المتحدة وفقاً لتحليل كريست لم تحسم يوماً هدفها النهائي مع نظام ملالي طهران وهل تسعى إلى تغيير سلوك إيران أم إلى تغيير نظامها؟ هذا الغموض جعل سياساتها متناقضة وتتأرجح بين الاحتواء والعقوبات والردع العسكري من جهة والانفتاح التكتيكي والحوار من جهة أخرى. وفي المقابل تبنّى ملالي إيران دعائيا (خصوصاً عبر الحرس الثوري) عقيدة ردع غير متماثلة تقوم على توسيع النفوذ الإقليمي عبر وكلاء مسلحين كتأسيس المليشيات المنفلتة واستخدام أوراق الضغط كالطائفية في العراق ولبنان وسوريا قبل التخلص من نظام الاسد واليمن والخليج باعتبارها أدوات توازن دعائية مع القوة الأميركية التقليدية.

 

يبرز الكتاب محطات مفصلية ؟! مثل حرب الناقلات في الثمانينيات والاشتباكات البحرية في الخليج العربي وصولاً إلى غزو العراق عام 2003 الذي يعدّه كريست نقطة التحول الأهم. فبدلاً من إضعاف إيران (التي لم تكن عدوه حقيقية لأمريكا والغرب ؟!) أدّى إسقاط النظام القوي في العراق إلى إزالة خصمها الإقليمي الأخطر وفتح المجال أمامها لبناء نفوذ عميق داخل العراق وكل المنطقة !!.لذلك تتجلى هنا إحدى أطروحات الكتاب المركزية المهمة : فالقرارات الأميركية الكبرى في المنطقة كثيراً ما أنتجت نتائج عكسية عززت موقع طهران بدل تقليصه وهذا مايثير الشكوك والتناقضات ؟؟

 

عند إسقاط وجهة نظرنا هذه على الوضع المتأزم حالياً في المنطقة بين ادارة ترامب في أمريكا وبين ملالي طهران سواء في العراق أو الخليج العربي أو ساحات الاشتباك غير المباشر …. يبدو أن حرب الشفق بدأت ولكنها لم ولن تنتهي بل دخلت مراحل أكثر تعقيداً. فالتوترات البحرية في مضيق هرمز والاشتباكات غير المباشرة عبر الفصائل المسلحة والضربات المتبادلة في ساحات متعددة …كلها امتداد للنمط الذي وصفه كريست (تصعيد مضبوط الإيقاع يختبر الخطوط الحمراء دون تجاوزها بالكامل)؟!.

 

في العراق تحديداً يمكن قراءة كثير من مظاهر الانقسام السياسي والأمني بوصفها انعكاساً لصراع الإرادات بين واشنطن وطهران. فالبلاد تحولت منذ الاحتلال عام 2003 إلى ساحة تماس بالمصالح واستراتيجية يجتهد ملالي إيران لاستغلال عمقها الجغرافي والروابط العقائدية بينما تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على توازن يمنع تشكل محور إقليمي معادٍ لمصالحها (مانسميه بادارة الصراعات وليس حلها) هذا التداخل جعل ماتبقى من الدولة العراقية المتفككة نفسها تعيش حالة ((شفق سياسي )) بين سيادتين متنازعتين.

 

أهمية الكتاب من وجهة نظرنا اليوم تكمن في تحذيره الضمني من أن استمرار إدارة الصراع دون معالجة جذوره سيُبقي المنطقة رهينة لحوادث قد تبدو صغيرة لكنها قابلة للاشتعال (كمانراه ونعيشه الان ) فحادث بحري مفتعل أو ضربة محدودة أو خطأ في التقدير الاستخباري قد يحول حرب الظل إلى مواجهة مفتوحة.

 

إن كتاب حرب الشفق لا يقدم مجرد سرد تاريخي بل يضع إطاراً تفسيرياً لفهم الحاضر. إنه يذكّر بأن الصراعات طويلة الأمد لا تُحسم بالقوة وحدها ؟! وأن غياب الرؤية الاستراتيجية الشاملة يحوّل الأزمات إلى حالة دائمة. وفي ظل المشهد الإقليمي الراهن تبدو أطروحة كريست أقرب إلى نبوءة مستمرة ….صراعٌ لا يُعلن لكنه لا ينتهي.؟؟!!

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى