
في حياة الحكواتي تمرّ وجوه كثيرة؛ بعضها يعبر كنسمةٍ خفيفة، وبعضها يترك في الذاكرة أثرًا عميقًا لا يمحوه الزمن.
والحكايات الحقيقية لا تبدأ دائمًا من بدايتها، بل قد تبدأ من دمعةٍ سقطت فجأة، أو من صرخةٍ خرجت من قلبٍ مثقلٍ بالحزن.
وهذه حكاية رجلٍ بسيط جاء من صعيد مصر يحمل في قلبه أرضًا وولدًا وحلمًا صغيرًا، لكنه كان يحمل في يده أيضًا قدره… وكأنه يعرف منذ البداية أن نهايته لن تكون بعيدة.
الحكاية
رأيته واقفًا مع صديقي هاني، وكأن صديقي العزيز أدرك أنني أود أن أبدأ الحكاية من عند هذا الرجل؛ الحارس محمود، الملقب بالصعيدي.
مددت يدي إليه مصافحًا، بينما ظل ينظر إليّ بريبةٍ واضحة. كانت ملامح الخوف مرسومة على وجهه، لكنها بدأت تتلاشى شيئًا فشيئًا عندما علم أنني حكواتي لا أملك سوى ورقةٍ وقلم . والحقيقة أنني أملك أيضًا كاميرا، غير أن حدسي أخبرني منذ اللحظة الأولى أنه لا يحب التصوير، بل ربما ترتعد فرائصه إذا رأى عدسةً تُوجَّه إليه ولو على سبيل الخطأ.
انتحت به جانبًا وقلت مبتسمًا:
ما رأيك أن نتحدث قليلًا قبل أن يحين موعد العشاء؟ وقتي ضيق… ولا أريد أن أعود إلى سمائل ★ في هذا القيظ.
كان من الصعب أن تبدأ حديثًا مع رجلٍ يخاف من مجهول، لكنني حاولت طمأنته، وأخبرته أن الأمر مجرد دردشة عابرة… ربما يسمع أحدٌ حكايته، فيتبنّى قضيته وتنتهي معاناته.
عندها رأيت الدموع في عينيه، وأدركت حقيقة قديمة:
دموع الرجال لا تسقط إلا عند المصائب الكبرى.
كان محمود شابًا متوسط القامة، أسمر البشرة، وعلى خلاف كثير من أبناء بلده، بدا لي أقرب شبهًا بالفنان محمد منير منه بالفنان أحمد زكي. وعندما قلت له مازحًا إنك تشبه محمد منير، ضحك وقال:
منير… بلدياتي!
جلسنا نحتسي الشاي الصعيدي الثقيل، ثم بدأ يتحدث عن بلدته الجميلة، حيث لا يعرف الناس السهر، وحيث يبدأ النهار مع أول ضوء للفجر، ويذهب الرجال إلى الغيط لحرث الأرض.
قال بصوتٍ دافئ:
عند نص النهار تيجي فاطمة شايلة الزاد… نقعد ناكل من خير ربنا ونحمده.
ثم أضاف بفخرٍ واضح:
وعندي ولد صغير اسمه مصطفى… سبع سنين ونص. آخده معايا الغيط، وأعلّمه إزاي يسقي الزرع. أصل يا بيه ده سلو بلدنا… الصغير لازم يتعلم الأرض لأنها أرضه.
لكن دمعةً كبيرة سقطت من عينيه فجأة، ثم سكت طويلًا، وكأن الطير حطّ على رأسه.
حاولت أن أعيده إلى الحديث، فناديته:
محمود… محمود…
وفجأة صرخ بأعلى صوته:
ليه يا هنداوي عملتها؟!
ربنا يسامحك… ربنا يسامحك!
لم أفهم يومها ما الذي يقصده، وقبل أن أعرف أكثر جاء صديقي هاني ليخبرني أن موعد العشاء قد حان، فغادرت وأنا على يقين أن هذا الرجل يخفي سرًا كبيرًا.
جاء الصباح في اليوم التالي حاملاً تباشير هادئة. وكعادتي، استيقظت باكرًا، وبعد الصلاة والواجبات اليومية، قررت أن أمارس رياضتي الصباحية ولو لمسافة قصيرة.
ومن بعيد رأيته… الصعيدي.
كان جالسًا يتناول إفطاره، فقررت تأجيل الرياضة، فهناك مهمة لا تحتمل التأجيل.
اقتربت منه فوجدته وحده يشرب الشاي الصعيدي الثقيل، وينظر إلى المزروعات بسعادة. بدا في مزاجٍ جيد، وكأن يومه مختلف عن الأمس.
كان يرتدي جلبابه الصعيدي الواسع بلونه الأزرق الفاتح، وفوقه جبة تقليدية، وعلى رأسه عمامة صعيدية، يلوّح بالنبوت يمينًا ويسارًا وهو يدندن بأغنية للفنان الصعيدي الشهير قناوي مثقال، وكأنه أحد فتوات الصعيد يستعد لرقصة النبوت الشهيرة.
في تلك اللحظة تذكرت الفنان نور الشريف في أحد أفلامه التي تناولت حياة الصعايدة.
وعندما رآني قادمًا، وقف مرحبًا بي. جلست بجواره، وقبل أن أسأله قال فجأة:
يا باشا… إحنا اتولدنا وبإيدينا شايلين كفنّا.
لم أقاطعه. تركته يتحدث، وأنا فقط أحرك رأسي موافقًا.
ثم قال بصوتٍ حزين:
بينّا وبين أولاد عمومتنا من عيلة فرحات تار قديم… اتقتل منّا ومنهم ناس كتير. وجت الدايرة عند أخويا هنداوي… قتل واحد منهم.
سكت لحظة ثم تابع:
أخويا ده عيل ومخه خفيف… ودخل السجن. وكان لازم هم ياخدوا بتارهم… وكنت أنا الضحية. حاولت أراضيهم ما قدرتش… وكان لازم أختار: يا أموت، يا أهرب.
تنهد طويلًا وقال:
سيبت مراتي وولدي وربنا يتولاهم برحمته… وجيت عمان. لكن سمعت إن واحد من ولاد فرحات عرف مكاني وجاي ورايا… عشان كده بقولك: أنا شايل كفني بإيدي.
لم أجد ما أقوله.
صدمني أن يكون في هذا القرن من لا يزال يحل خلافاته بالدم.
ربتُّ على كتفه بصمت، ثم نهضت لأكمل رياضتي.
وفي المساء، عند السابعة إلا ربعًا، حدث ما لم أكن أتوقعه.
وجدت الصعيدي يحتضن نخلة البونارنجه وقد فارق الحياة.
لم يكن قد قُتل… بل مات قهرًا.
فقد وصل إليه الخبر الذي كسر قلبه:
موت ابنه الوحيد مصطفى.
ذلك الطفل الذي كان يحلم أن يعود إليه يومًا، ليصالح أبناء عمومته، ويزرع الأرض مع ابنه بيديه، ويأكلان من خيرها دون أن يحتاجا لأحد.
لكنه لم يبكِ.
لم يصرخ.
ذهب بصمت إلى نخلة البونارنجه، تلك النخلة التي زرعها بيديه واعتنى بها حتى كبرت، فاحتضنها… وكأنها آخر ما تبقى له من حياة.
ثم أسلم روحه بهدوء.
الخاتمة
تلك الليلة أدركت أن بعض الرجال يموتون بصمتٍ أشبه بالوقار.
فالصعيدي الذي جاء هاربًا من الموت، لم يقتله ثأرٌ ولا عدو، بل قتله حزنٌ أكبر من الاحتمال.
ومنذ ذلك اليوم، كلما مررت بجانب نخلة البونارنجه، تذكرت محمود الصعيدي، وتساءلت في سري:
كم من الحكايات المؤلمة ما زالت تختبئ في صدور الرجال…
ولا يكتشفها أحد إلا بعد أن يسكت القلب إلى الأبد.
توضيح بعض المفردات
★ النبوت: عصا طويلة تشبه قصب السكر إلى حد كبير، يستخدمها أهل الصعيد في الاستعراضات والرقصات الشعبية.
★ الجبة: ثوب صعيدي تقليدي واسع يُلبس فوق الجلباب، وغالبًا ما يكون مفتوحًا من الأمام وله أكمام واسعة، وهو جزء من الزي التراثي في صعيد مصر.
★ رقصة النبوت: رقصة شعبية شهيرة في صعيد مصر تؤدى بالعصا، وتشبه إلى حدٍ ما رقصة الرزحة في الخليج، لكنها تُؤدى بالعصي بدل السيوف.
سمائل : مدينة في داخلية عمان تكثر فيها أشجار النخيل


