الآندين

د. أحمد علي سليمان يكتب: ورحلَ المنتصرُ (أبو المهند) مُنتصرًا

رحل راضيًا مرضيًّا إلى الله الكريم، ليلقى مهندَه وفلذة كبده بعد طول غياب في جنات النعيم.

ورحلَ المنتصرُ (أبو المهند) مُنتصرًا

بقلم

الدكتور أحمد علي سليمان

عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية

جمهورية مصر العربية

الموتُ يسطو على الحياة في جنح الليل وفي وضح النهار، في كل وقتٍ وفي كل حال؛ لا يفرِّق هذا القدرُ المقدور بين شابٍّ وشيخ، ولا بين صغيرٍ وكبير، ولا بين رجلٍ وامرأة، ولا بين غنيٍّ وفقير، ولا بين طيّبٍ وشرير، ولا بين مسلمٍ وغير مسلم. إنه تجلٍّ لقانون القهر الإلهي، والكل أمام هذا القانون سواء.

• وقليلون هم الذين يتركون دنيانا وقد تركوا بصماتهم غائرةً في عمق النفس وميادين الحياة.

• وقليلون هم الذين يكتبون أسماءهم في سجلات المجد والشرف والسؤدد.

• وقليلون هم الذين يرحلون إلى الله، لكن ذكرهم يبقى حيًّا بين الناس، وكأنهم ما زالوا بيننا.

• وقليلون هم الذين يحوِّلون ابتلاء الفقد إلى منارات حياة، ومساراتٍ لخدمة خلق الله.

فالموت ليس حديثًا عن نهايةٍ حتمية، وإنما هو الحقيقة الحاكمة لمسار الحياة:

أن كلَّ ما لا يُبنى على الله يموت، وأن كلَّ ما يُبنى لله لا يموت.

فالأثر الصالح باقٍ، والدنيا مرحلةٌ لا مقرّ،

والعمل الصالح هو الامتداد الحقيقي للعمر، والقيمة ليست في عدد السنين، بل في عمق الأثر الباقي في هذه الحياة، إنه حَيَوات بعد الحياة.

ومن هؤلاء الأبرار أرباب الأثر الباقي الذين ابتلاهم الله كثيرًا، فحوَّلوا مواطن الفقد ومناطق الأحزان إلى بواتق للمجد والإحسان، سماحة الأستاذ الدكتور المهندس/ محمد منتصر أبو المهند – عليه رحمة الله – ذلكم الرجل المحب، الحبيب، المحبوب، الذي جمع الناس حوله بنبله وحسن خلقه، وكرمه، وفضله، وحنانه.

ابتُلي في حياته ابتلاءاتٍ جسامًا، وكان من أشدها فقد نجله “مهند” في عز شبابه – عليهما رحمة الله – غير أنه لم يستسلم للألم، بل حوَّل الفقد إلى منارات عطاء، والحزن إلى عمل، والصبر إلى مشاريع كبرى للخير.

فأنشأ مؤسسة المهند للأعمال الخيرية، وشَيَّد مشفى متخصص جدا، وأقام مسجد المهند في التجمع الخامس بالقاهرة الجديدة، ليكون منارةً راسخةً للفكر الإسلامي المستنير، ومنبرًا للعلم والدعوة، ومأوىً للقلوب الباحثة عن السكينة. أسهم بعطائه المعنوي والمادي في العلاج، وفي رحمة الضعفاء، وفي خدمة الناس.

وهبه الله (تعالى) قلبًا كبيرًا رحيمًا، وحكمة كبيرة، فكان صديقًا للوجود ورفيقا للخير، ومحبًّا لكبار العلماء، ومنهم فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم – رئيس جامعة الأزهر الأسبق – الذي سبقه إلى الدار الآخرة، وكأن الله أراد أن يجمع الأحبة في جناتٍ ونهر. لقد لحق به أبو المهند بعد فترة قصيرة وبعد رحلة معاناة مع المرض استمرت شهورًا، واختار الله له شهر رمضان موعدًا للقاء، وكأنها نفحة تكريمٍ وختام اصطفاء.

رحم الله أبا المهند رحمةً واسعة، وأسكنه فراديس الجنان، وألهم زوجته الكريمة ونجلته الطيبة وأهله ومحبيه الصبر والسلوان، وجمعنا به على حوض سيدنا النبي الكريم ﷺ وفي جنات النعيم،.

ستبقى – يا أبا المهند – في القلوب ما حيينا، ولن تمحو الأيام صوتك الهادئ، ونظرتك الحانية، وكلماتك الطيبة التي كانت تبعث السكينة في المجالس. وسيظل حبك لدينك، وولعك باللغة العربية، وبذلك للخير، نهجًا يقتدي به المحبون.

وهكذا رحلَ الدكتور محمد المنتصر (أبو المهند) مُنتصرًا؛

منتصرًا في ابتلاءات الدنيا،

منتصرًا على هوى النفس،

منتصرًا على آلام الفقد وويلاته،

منتصرًا على التعلّق بزخارف الدنيا،

منتصرًا على مرضه ومعاناته.

منتصرٌا في خدمته لكتاب الله (القرآن الكريم).

رحل راضيًا مرضيًّا إلى الله الكريم، ليلقى مهندَه وفلذة كبده بعد طول غياب في جنات النعيم.

فعليك رحمات الله في الأوَّلين،

وعليك رحمات الله في الآخرين،

وعليك رحمات الله في الملأ الأعلى إلى يوم الدين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى