مقالات

بين النزاهة ومليارات الضياع: “يا نعيمة.. تعالي شوفي المصايب!”

الاستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

من المفارقات المؤلمة تلك الفجوة الاخلاقية والوطنية بين رجال الحكم في الدولة العراقية (١٩٢١-٢٠٠٣) الذين كانوا يتمتعون بكل القيم والخصائل الايجابية وبين اللصوص والعملاء بعد الاحتلال ..ومن الأمثلة التي تضرب ولا تقاس نتذكر حكاية السيدة “نعيمة” وزوجها الباشا نوري سعيد رئيس وزراء العراق في العهد الملكي …ما هو أبعد من مجرد موقف عائلي بسيط إنها وثيقة إدانة تاريخية ومرآة كاشفة تعكس الفرق الجوهري بين ((رجل الدولة الحقيقي ))الذي يرى المنصب تكليفاً وقيداً أخلاقياً وبين ((اصحاب الغنيمة)) الذين يرون العراق وليمةً مستباحة.

نزاهة الباشا وجشع اللصوص
ربما لدينا وجهة نظر في بعض مجريات تلك الحقبة من طبيعة ومجريات الحكم في العراق لكن الحق يجب أن يقال والإنصاف يجب أن يكون من نصيب أصحابه …….
حين اعتذر الباشا نوري سعيد لزوجته عن إقامة العزومة لمعارفها الذين دعوها لمرات عديدة وهي زوجة رئيس الوزراء واحد اهم شخصيات العراق في تلك الفترة لأن راتبه البالغ 150 ديناراً لا يكفي واضح تماما ان نوري السعيد لم يكن يمارس الزهد المفتعل !! بل كان يجسد عقيدة جيل كان يطمح لبناء الدولة العراقية من العدم. وكان يدرك أن الدرهم الذي يخرج من خزينة الدولة بغير حق هو طعنة في خاصرة الوطن وخيانة لشعبه ….في وقت كانت النزاهة هي الإتيكيت الحقيقي وكانت كرامة المسؤول تُستمد من نظافة يده وعفتها لا في عدد أفراد حمايته وكبر موكب سياراته أو ضخامة رصيده في البنوك الخارجية.

عصر الميزانيات الانفجارية والفقر الانفجاري
لو قدر للسيدة المرحومة نعيمة أن تطلّي برأسها اليوم على العراق بعد احتلاله بالقرن الحادي والعشرين لرأت العجب العجاب وماذا ستقول لزوجها الباشا …فهي لن تجد رئيساً يخشى نفاذ راتبه قبل نهاية الشهر بل ستجد طبقة سياسية تبتلع ((ميزانيات انفجارية تجاوزت الف وخمسمائة مليار دولار امريكي لغاية عام ٢٠٢٥)) وهي مبالغ لو انفقت بنزاهة على العراق وشعبه المظلوم كانت كفيلة بتحويل العراق إلى جنة على الأرض لكنها تبخرت في جيوب اللصوص الذين هيمنوا على مقدرات البلاد بعد احتلاله عام 2003.

المفارقة المأساوية تكمن في أن الباشا نوري السعيد الذي لا يستطيع شراء كم كيلو فاكهة وكرزات من راتبه المحدود ورفض أن يمد يده إلى مال مشبوه وحرام … هذا الرجل الذي يكثر الحديث عنه ؟! وضع أسس دولةً وجامعات ونظاماً رصيناً بينما هؤلاء الذين ينهبون المليارات لم يستطيعوا بناء مدرسة واحدة تليق بكرامة الطفل العراقي أو مستشفى يقي الفقراء ذل السؤال.

الفرق بين من نهبوا الوطن ومن يسرقوه

قالها الباشا بوضوح أنا رئيس وزراء براتب محدد وبسياسة خدمة البلد ……اليوم تحولت خدمة البلد من وجهة نظر من سلطوا على حكم العراق إلى خدمة احزابهم العميلة وخدمة الأجندات الخارجية لذا صار المنصب يباع ويشترى ووسيلة لتكديس الثروات وتحول الوزراء ورؤساء الوزراء ومن معهم إلى تجار حروب وعقارات يتباهون بقصورهم التي بنيت فوق أنقاض العشوائيات التي يسكنها نصف الشعب العراقي.

رحم الله السيدة نعيمة …. لم يخطر في بالها إن اكثر من نصف العراقيين اليوم يعيشون تحت خط الفقر ويبحثون عن طعامهم في المزابل في بلد ينام على بحار من النفط. والمليارات التي كان يمكن أن توفر سكناً لائقاً لمن يسكنون بيوت الطين والصفيح ذهبت إلى دعم ملالي طهران ولتمويل ميليشيات وشراء ولاءات وتأمين مستقبل أبناء الحكام في عواصم اوربا وغيرها بينما يصارع المواطن العراقي ظروف الحياة التي صعبت عليه للبقاء على قيد الحياة.
إن الفرق بين راتب نوري السعيد 150 دينار وبين المليارات من الدولارات التي سرقها ولايزالون حكام اليوم ليس فرقاً في الأرقام بل هو فرق في الخلق السياسي ….. لقد كان نوري سعيد رغم كل الخلافات السياسية حوله يحترم هيبة الدولة والشعب أما هؤلاء الفاسدين فقد دمروا الدولة و الهيبة وسرقوا لقمة الجياع وتركوا الشعب يغرق في العشوائيات والجهل.

العراق المحتل بعد ٢٣عاما تحول للأسف من دولة كانت تطمح للرقي والتحضر قبل الاحتلال إلى غابة يتقاسم نهبها لصوص لا يشبعون ولا يرتجفون خجلاً أمام دموع الفقراء. إن أزمة العراق اليوم ليست أزمة موارد كما يشيع الفاسدين بل هي أزمة اخلاق اختفت ورجال بل أشباه الرجال فقدوا غيرة وكرامة الدولة والمسؤولية بعكس من كانوا يقودون العراق والذين كان همهم الاول الظهور بوجه أبيض أمام شعبهم !!

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى