
باتزانٍ تامٍّ حاول أن يُعدِّل ربطة عنقه، وهو يُحدِّق في نفسه في المرآة. كان شعره كثيفًا ومرتبًا، ومع ذلك مسحه برفق ليزيده انتظامًا. عيناه الواسعتان ترمشان بهدوء، ترسلان نظرةً فاحصةً إلى الصورة المنعكسة أمامه، ولونهما الرمادي يضفي على محيّاه مزيدًا من السكينة والوقار.
في بهو دورة المياه، أثناء استراحة المؤتمر الدولي، وقف صامتًا لوهلة… ثم حدَّث صورته القابعة في المرآة:
— هنيئًا لك أيها الجشع صفقة الملايين، التي كسبتها حيلةً كعادتك من جيوب الفقراء، لتزيد بها امتلاء جيبك.
عضَّ على أسنانه خفيةً، وحدَّ من بصره أكثر، مستكملاً حديثه مع نفسه. انتبه لوجود زميلٍ بمحاذاته أمام المرآة ذاتها، فابتسم مرحِّبًا به، مخفيًا لحظة محاسبة النفس القصيرة. ردَّ زميله الابتسامة مجاملةً وخفّةً، دون أن يلحظ شرود نظره.
ألقى نظرةً إلى ربطة عنقه، وحدَّثها:
— تُرى كم كلَّفتِه لتزيِّني هيئته؟ كم حبّة عرق؟ كم قطرة دم؟ كم إحساسًا بالقهر وشعورًا بالظلم؟
ثم وجَّه نظره إلى صورته في المرآة وقال:
— وأنت… كم حفرة حسرة أوقعتَ فيها مستحقًّا لم يعد يستحق؟ لأن ضميرك أضيق من أن يستوعب حقوق الآخرين. لا تنسَ يا أنا أنك كنت اليد اليمنى لقطع أيدي الشعب وانتشال حقوقه. ربطة عنقك، مفاتيح سيارتك، أملاك الأراضي، وشركاتك… كم كلَّفتك؟ غمزات؟ ظلمات؟ حسرات؟
أغمض عينيه بألم، فتهاوت إلى مخيّلته مواقف يندى لها الجبين؛ صرخات المظلومين، وآهات الضعفاء…
— أخي وصديقي السيد كمال…
ناداه زميله المحاذي عند المرآة بجملةٍ من ثلاث كلمات انتشلته من بحر الندم المقيت إلى نشوة الفخر والاعتزاز، حين خاطبه رئيسه بالأخ والصديق. ردَّ سريعًا، ومشاعر الابتهاج تدغدغ أحاسيسه:
— إنه لشرفٌ لي، سيادتك، أن أكون يدك اليمنى في صنع إنجازاتك لخدمة الوطن والشعب، فلولا جهودك ما كنا لنصل إلى هذا المستوى المتقدم.
فأجابه الآخر:
— ولولا وقوفك المستمر وجهودك المخلصة، ما استطعتُ الاستمرار أو الوصول إلى ما وصلتُ إليه.
بنظراتٍ واثقة وابتساماتٍ فخورة، تصافح الزميلان أمام الجماهير، تحيط بمصافحتهما أجواءٌ منتعشة بتصفيق المتجمهرين، ووميض المصوّرين، وهتافات المهلِّلين.



