العراق بين ضغوط الصراع الإقليمي واستحقاقات الداخل: قراءة في معادلة التوازن السياسي والاستراتيجي
د. غازي فيصل حسين

تتناول هذه الورقة موقع العراق في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، وتأثير ذلك على مسار تشكيل السلطة السياسية داخليًا بعد الانتخابات. وتناقش إشكالية التأخير في الاستحقاقات الدستورية، وتداعيات الانقسامات داخل القوى السياسية، إضافة إلى انعكاس المواقف الدولية على خيارات النخبة الحاكمة. وتخلص الدراسة إلى أن قدرة العراق على تجنب تداعيات الصراعات الإقليمية ترتبط مباشرة بمدى تماسك جبهته الداخلية، والتزام طبقته السياسية بالدستور، واعتماد نموذج حكم وطني مستقل قائم على التنمية والاستقرار.
المقدمة
تشهد البيئة الإقليمية تحولات متسارعة نتيجة استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، وما يصاحبه من احتمالات تفاوض أو تصعيد عسكري. وفي ظل هذه المعادلة، يبرز العراق بوصفه دولة محورية تقع في قلب التوازنات الجيوسياسية للشرق الأوسط. فموقعه الجغرافي وتركيبته السياسية وعلاقاته المتشابكة تجعله الأكثر تأثرًا بنتائج أي تسوية أو مواجهة.
يتزامن هذا الواقع الخارجي مع تحديات داخلية تتمثل في تأخر تشكيل السلطة التنفيذية بعد الانتخابات، ما يطرح تساؤلات حول قدرة النظام السياسي على إدارة الاستحقاقات الدستورية في توقيتاتها المحددة، وحول تأثير الانقسامات السياسية على دور العراق الإقليمي.
أولًا: البيئة الإقليمية وتأثير الصراع الأميركي–الإيراني
العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران تشكل أحد أهم محددات الاستقرار الإقليمي. ويؤثر مسار هذه العلاقة مباشرة في العراق لعدة أسباب: وجود مصالح استراتيجية متداخلة للطرفين داخل العراق؛ ارتباط بعض القوى السياسية العراقية بمحاور إقليمية؛ هشاشة التوازن الأمني والاقتصادي الداخلي.
سيناريوهات العلاقة بين واشنطن وطهران يمكن حصرها في ثلاثة احتمالات رئيسة: تسوية سياسية مرحلية؛ استمرار التوتر دون مواجهة مباشرة؛ تصعيد عسكري واسع. جميع هذه السيناريوهات تحمل انعكاسات مباشرة على العراق، سواء في ملف الأمن أو الاقتصاد أو الاستقرار السياسي.
ثانيًا: أزمة الاستحقاقات الدستورية بعد الانتخابات
أحد أبرز التحديات الداخلية يتمثل في تجاوز المدد الدستورية المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء. هذا التأخير لا يمثل مجرد خلل إجرائي، بل يعكس: ضعف التوافق بين القوى السياسية؛ استمرار منطق المحاصصة بدل الاحتكام للدستور؛ تصاعد الخلافات داخل الكتل الكبرى، خصوصًا بشأن توزيع المناصب السيادية.
ويؤدي تعطّل هذه الاستحقاقات إلى حالة فراغ سياسي وإداري، تؤثر في ثقة المواطنين والمؤسسات الدولية بقدرة الدولة على إدارة شؤونها.
ثالثًا: الانقسامات داخل القوى السياسية
المشهد السياسي العراقي يتسم بتعدد مراكز القرار داخل الكتل نفسها، ما ينعكس في: خلافات داخل البيت السياسي الشيعي حول مرشحي رئاسة الحكومة؛ تباينات بين الأحزاب الكردية بشأن مرشح رئاسة الجمهورية؛ تفاوت الرؤى حول طبيعة العلاقة مع القوى الدولية والإقليمية. هذه الانقسامات لا تضعف عملية تشكيل الحكومة فقط، بل تعمّق حالة عدم اليقين السياسي، وتفتح المجال لتدخلات خارجية.
رابعًا: العامل الدولي وتأثيره في تشكيل السلطة
لا يمكن فصل العملية السياسية في العراق عن تأثيرات البيئة الدولية. فالقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تسعى إلى ضمان أن تكون القيادة العراقية القادمة:غير مرتبطة بمحاور إقليمية متصارعة؛ قادرة على إدارة الاقتصاد وتنفيذ إصلاحات؛ ملتزمة بالتعاون الدولي والأمني. هذا التأثير لا يأتي دائمًا عبر ضغوط مباشرة، بل من خلال رسائل سياسية ومواقف دبلوماسية تؤثر في حسابات القوى المحلية.
خامسًا: معادلة الاستقرار الداخلي كشرط للدور الإقليمي
قوة العراق في الإقليم لا تُبنى على موقعه الجغرافي أو موارده الطبيعية فقط، بل على تماسكه الداخلي. فكلما كان النظام السياسي مستقرًا وقائمًا على مؤسسات فاعلة: ازدادت قدرة الدولة على التفاوض الخارجي؛ تراجع احتمال استخدام أراضيها كساحة صراع. تحسّن موقعها في التحالفات الإقليمية. بالمقابل، فإن الانقسام الداخلي يضعف السيادة الوطنية ويجعل القرار السياسي عرضة للتأثير الخارجي.
سادسًا: خيارات العراق الاستراتيجية
أمام العراق ثلاث مسارات استراتيجية ممكنة: الانحياز لمحور إقليمي وهو خيار يحمل مخاطر كبيرة لأنه يعرّض البلاد لصراعات المحاور؛ الحياد السلبي أي الاكتفاء بعدم التدخل دون بناء سياسة فاعلة، وهو خيار يحدّ من التأثير لكنه لا يمنع الضغوط؛ الحياد الإيجابي المتوازن؛ وهو الخيار الأكثر واقعية، ويقوم على: علاقات متوازنة مع جميع الأطراف؛ سياسة خارجية مستقلة؛ تقوية الداخل سياسيًا واقتصاديًا.
الخاتمة
العراق يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي. فالتحديات الإقليمية المتصاعدة تفرض عليه إعادة تعريف موقعه الاستراتيجي، بينما تفرض التحديات الداخلية ضرورة إصلاح النظام السياسي وتعزيز الالتزام بالدستور. إن قدرة العراق على تجنب تداعيات الصراعات الخارجية مرهونة بمدى نجاحه في بناء دولة مؤسسات قوية، وتحقيق توافق سياسي وطني، واعتماد سياسة خارجية متوازنة.
التوصيات
1. الالتزام الصارم بالتوقيتات الدستورية لتشكيل السلطة التنفيذية.
2. تبني مشروع وطني عابر للانقسامات الحزبية والطائفية.
3. تعزيز استقلال القرار السياسي عن الاستقطابات الإقليمية.
4. إطلاق برنامج إصلاح اقتصادي شامل يحد من الهشاشة الداخلية.
5. تطوير سياسة خارجية قائمة على مبدأ التوازن والشراكة المتعددة.



