حين احترق القصر… وسقطت الديمقراطية… انقلاب تشيلي 1973 وقصة سلفادور أليندي
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

لم يكن صباح 11 سبتمبر/أيلول 1973 يوماً عادياً في سانتياغو.
كان يوماً انكسرت فيه جمهورية كاملة تحت جنازير الدبابات، وانطفأ فيه صوتٌ ديمقراطي داخل قصرٍ يشتعل بالنار.
ففي ذلك اليوم أطاح الجيش التشيلي، بقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه، بحكومة الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، منهياً تجربة مدنية بدأت بعد فوزه في انتخابات عام 1970 بنسبة 36.6%من الأصوات.
*صباح الحصار*
داخل قصر (لا مونيدا) كان أليندي يدرك أن النهاية تقترب.
الجيش الذي عيّن قائده بنفسه انقلب عليه، والدبابات أغلقت الشوارع، والطائرات قصفت القصر حتى اشتعلت جدرانه.
لم يكن ذلك مجرد صراع على السلطة، بل لحظة فاصلة بين مشروعين سياسيين في قلب الحرب الباردة.
انتهى الحصار بسقوط الحكومة المنتخبة وقيام مجلس عسكري عطّل الحياة السياسية وقمع الأحزاب اليسارية، ليتحوّل الحكم إلى ديكتاتورية عسكرية بقيادة بينوشيه.
*ما وراء الدخان: البعد الدولي*
لم تكن مأساة تشيلي حدثاً داخلياً خالصاً.
فالولايات المتحدة تابعت صعود أليندي منذ انتخابات 1970 بقلقٍ شديد بسبب توجهه الاشتراكي وخشيتها من تحوّل تشيلي إلى نموذج قريب من كوبا، وهو ما دفعها إلى محاولة عرقلة وصوله للحكم ثم السعي لزعزعة الاستقرار والتخطيط مع قادة عسكريين لانقلابٍ تحقق فعلاً في سبتمبر 1973.
فخلف كل ذلك، كانت وكالة المخابرات المركزية **(CIA)**.
وثائق رُفعت عنها السرية بعد عقود تثبت ذلك؛ حيث أمر نيكسون: “اجعلوا الاقتصاد يصرخ”. أنفقت المخابرات الأمريكية 8 ملايين دولار لزعزعة استقرار حكومة أليندي، ومولت الإضرابات، ورشت ضباط الجيش، ونشرت الدعاية.
جريمة أليندي الحقيقية؟ تأميم مناجم النحاس في تشيلي، التي كانت تمتلكها شركات أمريكية مثل “أناكوندا” و”كينيكوت”. لقد أعاد أليندي هذه الثروات لتشيلي، ولهذا السبب.. لقى حتفه.
ومع مرور العقود، كشفت وثائق أمريكية رُفعت عنها السرية أن إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون كانت تتلقى تقارير استخباراتية مباشرة أثناء الانقلاب، في سياق رؤيةٍ أمريكية أوسع لوقف انتشار الحكومات اليسارية خلال الحرب الباردة.
كما أقرّت شخصيات سياسية أمريكية لاحقاً بأهمية كشف الدور الأمريكي في تلك المرحلة التاريخية، مطالبةً برفع السرية عن الوثائق المرتبطة بالانقلاب والدكتاتورية التي تلته.
*سنوات الحديد والنار*
لم ينتهِ المشهد بسقوط القصر.
فحكم بينوشيه الذي تلا الانقلاب اتسم بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، شملت القتل والتعذيب والسجن لآلاف المعارضين، وخلّف نحو *3200* قتيل وآلاف الضحايا الآخرين بين معتقلين ومختفين قسرياً.
وهكذا تحولت لحظة عسكرية خاطفة إلى سبعة عشر عاماً من الحكم الاستبدادي الذي غيّر وجه تشيلي سياسياً واجتماعياً.
*بين الذاكرة والتاريخ*
بعد نصف قرن، ما زال 11 سبتمبر التشيلي جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الوطنية، ودليلاً على هشاشة الديمقراطيات حين تتقاطع الصراعات الداخلية مع حسابات القوى الكبرى.
قصة أليندي ليست مجرد سيرة رئيسٍ سقط داخل قصرٍ محترق،
بل حكاية وطنٍ دفع ثمن موقعه في خريطة العالم،
وحكاية سؤالٍ لم يُغلق بعد:
هل تحمي صناديق الاقتراع الشعوب… أم أن السياسة الدولية قادرة دائماً على قلبها؟


