هند رجب… حين مرّ شبح الموت بجوار الطفولة
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي ... كاتب من سلطنة عُمان - مسقط

في مساءٍ ثقيلٍ من شتاء غزة، كانت الطفلة الفلسطينية *هند رجب* —التي لم تتجاوز الخامسة من عمرها—تجلس في المقعد الخلفي لسيارةٍ صغيرة تحاول الهرب من حيّ تلّ الهوا مع أفرادٍ من عائلتها، بينما كانت أصوات الحرب تقترب منهم أكثر فأكثر.
لم يكن في قلبها سوى خوفٍ بسيطٍ يشبه خوف الأطفال من الظلام… لكن الظلام هذه المرّة كان حقيقيًا.
لم تستغرق الرحلة طويلًا.
فبينما كانت السيارة تمضي هاربةً من الدمار على أمل الوصول إلى طريق النجاة، جاء القدر المحتوم.
في ٢٩ يناير ٢٠٢٤م أطلقت دبّابةٌ عسكرية إسرائيلية النار مباشرةً على المركبة في قلب غزة الصامدة، فسقط العمّ والخالة وأبناء العمّ قتلى في لحظاتٍ خاطفة، وبقيت هند مع ابنة عمّها ذات الخمسة عشر عامًا فقط على قيد الحياة.
ارتجف الهاتف في يد ابنة العمّ، ويداها مكسوّتان بالدماء، وهي تتصل بالإسعاف وصوتها يختنق بالبكاء:
*”إنهم يطلقون النار علينا… الدبابة بجانبنا.”*
ثم دوّى الموت والرصاص من جديد… وسكت الصوت.
وعم السكون.
بعد لحظاتٍ من الصمت، عاد الهاتف يرنّ داخل السيارة المتهالكة التي امتلأت بالجثث.
هذه المرّة كانت هند الصغيرة هي من أجابت.
أخبرت المسعفين أن الجميع ماتوا… وأنها وحدها ما تزال حيّة، خائفة، تنزف، وتنتظر.
لحظاتٌ مرعبة لا يحتملها رجلٌ بالغ؛ جثثٌ صامتة، وموتٌ يحيط بها من كل جانب، وزخّاتُ رصاصٍ لا ترحم.
ومع ذلك ظلّت على الخطّ قرابة ثلاث ساعات ترجُو النجدة وتهمس:
*”أنا خائفة جدًا… تعالوا خذوني.”*
كانت الطفلة الجريحة ترى الدبابة تقترب، بينما جسدها الصغير مصاب في الظهر واليد والقدم، تحيط بها أجساد أحبّتها الذين لم يعودوا يجيبون.
وبينما كان المسعفون يحاولون الوصول إليها، قُتل اثنان منهم أيضًا بعد استهداف سيارة الإسعاف، لتبقى هند معلّقةً بين الحياة والموت… ولا يصل إلى العالم سوى صوتها المرتجف.
وبعد اثني عشر يومًا، ومع انسحاب القوات من المنطقة، عُثر على جثمانها الصغير داخل السيارة المحترقة إلى جانب أفراد عائلتها.
وأظهرت التحقيقات الجنائية أن هيكل المركبة كان مثقوبًا بنحو *٣٣٥ رصاصة* أُطلقت من مسافةٍ قريبة.
لم تكن هند رقمًا في نشرات الأخبار،
بل حكايةُ طفولةٍ توقّفت فجأة.
صوتها الذي ظلّ ساعاتٍ يستغيث…
تحوّل إلى شهادةٍ إنسانيةٍ سُمعت حول العالم،
وألهم أعمالًا فنية ووثائقية تروي مأساة لحظاتها الأخيرة.
ربما انتهت حياة هند داخل سيارةٍ صامتة،
لكن قصتها خرجت من حدود المكان والزمان،
لتصبح سؤالًا مفتوحًا في ضمير الإنسانية:
*كم يحتاج العالم من* *أصواتٍ صغيرةٍ خائفة*
*حتى يتعلّم معنى الرحمة؟*



