مقالات

تسييس الدين في العراق المحتل… مطرقة الاحزاب على سندان الدولة الفاشلة

د بندر عباس اللامي

قضية فصل الدين عن السياسة (أو ما يعرف بالدولة المدنية) في العراق هي من أكثر القضايا تعقيداً وحساسية بعد الاحتلال عام 2003. مبررات هذا التوجه يفرض نفسه بناءً على التجربة المريرة التي عاشها العراق خلال ٢٣عاما عجافا من المعاناة والتخلف.

يجب ابعاد الدين عن السياسة والدولة والآليات الناجعة:-

أولاً: لماذا يجب إبعاد تسييس الدين عن الدولة في العراق؟
1.إنهاء المحاصصة الطائفية: تم بناء نظام الحكم وفقا لمنهج الاحتلال ((وبمقترحات بريطانية واضحة بحكم خبرتهم الطويلة بنقاط الضعف التي أسّسوها بالعراق بدايات عشرينيات القرن الماضي )) ووظفوها بعد احتلال العراق نيسان 2003 على أساس الهويات الطائفية والدينية المناقضة للوطنية والمواطنة. وتسييس الدين أدى إلى تقسيم المجتمع الواحد بفعل اناس لاعلاقة لهم بالعراق وشعبه وتكريس مبدأ “المكونات” بدلاً من ((الشعب الواحد))مما جعل الولاء للحزب والطائفة اولا وأخيراً وليس الولاء للوطن.
2.حماية الفساد بالمقدس حيث تم استخدام العديد من الأحزاب السياسية الرموز الدينية كغطاء لعمليات فساد واسعة. عندما يتغطى السياسي بالدين والطائفة يصبح انتقاده أو محاسبته في نظر البعض هجوماً على الدين كما تم ويتم منذ الاحتلال مما يمنح الفاسدين حصانة معنوية أمام أتباعهم.
3.منع الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة:استغلال الخطاب الديني والتحريض الطائفي كان الوقود الرئيسي للاقتتال الداخلي بين ابناء المجتمع العراقي بناءا على معتقدات وافدة (مثل أحداث 2006-2008). لذلك فإن إبعاد الدين لاسيما بشكله المشوه طائفياً عن التجاذب السياسي يجرّد الجماعات المسلحة من الشرعية الدينية التي يستغلونها بطريقة بشعة والتي تستخدمها هذه الجماعات لتبرير العنف ضد الآخرين وحتى ضد بعضهم عندما تتضارب مصالحهم والوطن والشعب ليس له اي وزن او مقام لديهم !
4.ابعاد الدين والطائفة يؤسس لتحقيق المساواة والمواطنة الصالحة ففي الدولة الدينية الطائفية أو المسيسة دينياً كما في العراق المحتل غالباً ما تُهضم حقوق المواطنين الدينية أو حتى المذاهب المختلفة. في حين ان الدولة المدنية تضمن وقوف السلطة على مسافة واحدة من الجميع (المسلم والمسيحي والإيزيدي والصابئي وحتى غير المتدين).
5.حماية الدين نفسه لان تسييس الدين يؤدي إلى نفور الشباب من الروحانيات والخرافات بسبب ربطهم بين الفشل السياسي والقيم الدينية. لذلك فإن فصل الدين عن السياسة يحافظ على قدسية الدين الحقيقي وينزهه عن ألاعيب السياسيين وتناقضاتهم.

ثانياً: كيف يمكن تحقيق ذلك في الواقع العراقي بعد الاحتلال؟
نعترف ان تحويل العراق إلى دولة مدنية تفصل الدين عن السياسة بعد كل مافعلته الاحزاب والمتنفذين في استغلال الدين و توظيفه لمصالحهم الفئوية والشخصية ليس أمراً سهلاً بل يتطلب مساراً وجهودا وارادة وعزيمة من التغيير ولكنها ممكنة إذا ما تم اجراء مايلي:-

1.تعديل الدستور الملغوم والقوانين من خلال صياغة قوانين تمنع تأسيس أحزاب على أساس ديني أو مذهبي أو عرقي (تفعيل قانون الأحزاب بشكل حقيقي).
ثم التأكيد في الدستور على مدنية الدولة وضمان حرية المعتقد للجميع دون تمييز.

2.تغيير النظام الانتخابي والابتعاد عن نظام المحاصصة في توزيع المناصب السيادية (رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية رئيس مجلس النواب) واعتماد معيار الكفاءة والوطنية بدل المحاصصة التي فرضها المحتل واستغلها الفاسدون لديمومة هيمنتهم على النظام المتهرئ الفاسد بعد الاحتلال؟!

3.إصلاح النظام التعليمي من رياض الاطفال الى الدراسات العليا والعمل المخطط السليم على تطوير مناهج دراسية تركز على الهوية الوطنية العراقية الجامعة وقيم المواطنة بدلاً من التركيز على الفوارق الطائفية والمذهبية والتاريخية الصراعية.

4.استقلال المؤسسة الدينية عن الدولة
حيث يجب أن تكون المؤسسات الدينية (الأوقاف وغيرها) مستقلة مالياً وإدارياً عن التجاذبات السياسية الطائفية لتمارس دورها الروحي والاجتماعي دون أن تكون أداة بيد هذا الطرف او ذاك من السلطة أو الأحزاب.

5.حصر السلاح بيد الدولة حيث لا يمكن بناء دولة مدنية بوجود أجنحة مسلحة تابعة لأحزاب دينية تهيمن على كل شيئ في الدولة والمجتمع ويجب فرض سيادة القانون باعتباره الخطوة الأولى لتحجيم نفوذ تسييس الدين القائم على القوة.

6.نشر الوعي الثقافي والاجتماعي ويبرز هنا دور النخب المثقفة الوطنية والإعلام الوطني في توضيح أن حقيقة ان الدولة المدنية ليست ضد الدين بل هي الضمانة الوحيدة لممارسة الطقوس الدينية بحرية وسلام بعيدا عن التسييس الطائفي وأنها تحمي المجتمع من التوظيف السياسي للنصوص الدينية.
في بلد مثل العراق فيه المسلم وغير المسلم يمثل تسييس الدين والطائفة كعامل تفرقة واضطراب واحتراب بين أبنائه وإن إقامة دولة تقوم على ((المواطنة ))وليس الهوية الدينية والطائفية هي السبيل الوحيد لاستعادة الاستقرار والامن وضمان تقديم الخدمات الحقيقية وتحقيق العدالة الاجتماعية بعيداً عن صراعات الفتاوى والخرافات والهرطقات والولاءات العابرة للحدود.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى