(الهوملس) المشردين في أمريكا… حين ينام الإنسان خارج الحلم
بقلم: ناصر بن محمد بن سعيد الحارثي/ كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

في بلدٍ يقود الاقتصاد العالمي ويصنع التكنولوجيا ويملك مفاتيح القوة والنفوذ، وصواريخ عابرة للقارات واخرى تطيرُ في الفضاء البعيد بالمليارات من الدولارات.
تتسلل صورة أخرى أقل بريقًا إلى الأرصفة الباردة…
صورة إنسانٍ بلا سقف.
تُعرِّف الجهات الفيدرالية في الولايات المتحدة “المشرّد” بأنه كل من يعيش في الملاجئ المؤقتة أو الأماكن غير الصالحة للسكن كالشوارع والسيارات والمباني المهجورة والأزقة المظلومة، بل وحتى من يضطر للإقامة المؤقتة مع الآخرين دون استقرار حقيقي.
إنه تعريف يكشف أن التشرد ليس نومًا في العراء فقط، بل فقدان الأمان ذاته.
الأرقام أكثر قسوة من الكلمات.
ففي يناير ٢٠٢٤ سُجِّل نحو ٧٧١ ألف شخص بلا مأوى في ليلة واحدة داخل الولايات المتحدة، بزيادة تقارب ١٨٪ خلال عام واحد، وهو أعلى مستوى منذ بدء توثيق هذه البيانات.
أي ما يعادل ٢٣ شخصًا من كل عشرة آلاف أمريكي يعيشون خارج الاستقرار السكني.
ولا تتوقف المأساة عند البالغين؛
فقرابة ١٥٠ ألف طفل اختبروا التشرد في ليلة واحدة فقط، بزيادة كبيرة خلال عام واحد، بينما ما زالت الفجوات العرقية واضحة في تمثيل المشردين داخل المجتمع الأمريكي.
لماذا يحدث هذا في أغنى دولة في العالم؟
السبب ليس عاملًا واحدًا، بل شبكة متداخلة من الأزمات:
نقص المساكن الميسورة وارتفاع الإيجارات والتضخم.
انتهاء برامج الدعم المرتبطة بجائحة كوفيد-١٩.
الكوارث الطبيعية وتزايد الهجرة والاختلالات الاجتماعية المزمنة.
كلها عوامل دفعت بمئات الآلاف نحو حافة الشارع.
ورغم هذا التصاعد، يظهر جانب معقّد في الصورة؛
إذ انخفضت معدلات تشرد المحاربين القدامى بفضل برامج دعم مركّزة، ما يدل على أن الإرادة السياسية قادرة على التغيير حين تتوفر الموارد والتخطيط.
ما الذي تعنيه هذه المفارقة؟
ليست القضية فقرًا تقليديًا بقدر ما هي اختلال في العدالة الاجتماعية داخل منظومة ثراء هائلة.
فحين يصبح السكن حلمًا بعيدًا في دولة متقدمة،
فإن السؤال الحقيقي لا يكون:
لماذا يسقط الإنسان؟
بل:
لماذا لم تمسكه المنظومة قبل أن يسقط؟
التشرد في أمريكا ليس مجرد أزمة إسكان، بل اختبار أخلاقي لحضارةٍ تقاس قوتها
ليس بما تملكه…
بل بمن تحميه.
التشرّد في أمريكا ليس فشل أفراد، بل أيضاً مرآة تكشف خللًا أعمق في العدالة الاجتماعية،
حيث يمكن أن ينهار الإنسان
ليس لأنه ضعيف…
بل لأن النظام من حوله لم يكن قويًا بما يكفي ليحميه
تلك هي أمريكا التي ينظر إليها كثيرون بإعجاب عبر شاشات هوليوود وميادين الرياضة وعالم التكنولوجيا ورغد العيش…
لكن خلف هذا البريق، تختبئ حقيقة أقل ضوءًا؛
حيث يقف الإنسان بلا مأوى،
ويُختبر معنى العدالة الاجتماعية والإنسانية في صمتٍ لا تلتقطه الكاميرات.



