
لم اكتب عن الحرب طيلة فترة المواجهة العسكرية بين امريكا واسرائيل – وايران من جهة أخرى لانني لست محلل عسكري حتى أخوض في تفاصيل يتخللها كثير من الاسرار والمفاجئات يصعب حتى على المراقبين العسكريين التكهن بنتائجها، ولكن من الناحية السياسية يمكن تحليل الاحداث وفق المعطيات المعلنة بالرغم من ان السياسة في عالم اليوم اكاذيب وغدر وخداع .. ومع ذلك لابد من بحث الاهم في مسار هذه الاحداث هو الموقف الغريب الذي اتخذه الرئيس ترامب بشكل مفاجئ حتى للحليف الأقرب اسرائيل، بعدم ضرب منشآت الطاقة لمدة خمسة ايام من اجل مفاوضات مفصلية يتقرر بموجبها اما إنهاء الحرب او التصعيد والاستمرار .. مما يعني هناك غايات ذات أوجه متعددة لهذا الموقف المفاجئ من الرئيس ترامب ومنها :
١ – حسب ما يشاع انها خدعة أمريكية لتخفيض أسعار الطاقة، وكذلك لطمئنة ايران لحين أستكمال التحضيرات ليتسنى مفاجئتها بضربات اشد.
٢ – هناك من يوعز إلى توجه الرئيس ترامب إلى المفاوضات لانهاء الحرب في محاولة للخلاص من المآزق الذي وقعت فيه امريكا جراء تبعيات استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة وصعوبة فتح مضيق هرمز.
٣ – لو أثمرت نتائج التفاوض بايقاف الحرب فأن معيار النصر سوف يكون لصالح امريكا لو وافقت ايران على تسليم 440 كيلو غرام من اليورانيوم سواء إلى روسيا او اليابان فهذا بحد ذاته يعتبر رضوخ ايران لمطالب امريكا واسرائيل .. مما يعني ان ايران سلمت الجوهرة في التاج الفارسي بعد ضياع 20 سنة من المطاولة والمراوغة واذا حصل ذلك فبالتأكيد سوف يتبعها تنازلات بشأن الصواريخ الباليستية والاذرع .. مما يعني استسلام ومقايضة بهذا المخزون مقابل بقاء النظام الذي اوشك على السقوط.
٤ – اما لو رفضت ايران تسليم مخزون اليورانيوم ووافق الرئيس ترامب على توقف الحرب فهذا يعتبر هزيمة ساحقة للرئيس ويعني ان ترامب ضحى بمستقبله السياسي عند هذا الموقف لان خسارة حزبة ستكون مؤكدة في الانتخابات النصفية القريبة بالاضافة إلى خسارته الاكيدة في الحصول على الولاية الثالثة في الانتخابات القادمة .. والسؤال هنا هل يقبل الرئيس ترامب بذلك .. دعونا ننتظر ونترقب ما سيحصل بعد يوم الجمعة القادم
٥ – عند دراسة الجانب السياسي لهذة الحرب لابد من دراسة تداعيات نتائجها على الداخل الإيراني، وعلى الوضع الإقليمي، والدولي :
١ – على الداخل الإيراني .. عند توقف الحرب وعدم سقوط النظام او عدم تسليمها لمخزون اليورانيوم فان ايران سوف تزمر وتطبل بالانتصار على الاعداء مهما بلغت من خسائر وسوف تقيم الاحتفالات الرنانه هي وذيولها وأيضاً سوف تحكم قبضتها على الحكم وتقوم بتصفية معارضيها بحجة كونهم عملاء وجواسيس ومعروف ان الباسيج سوف يقوم بذلك لانه المعني في الشأن الداخلي، والحرس الثوري المعني بالشأن الخارجي وتصدير الثورة .. اما في حال سقوط النظام او قبول شروط الرئيس ترامب الذي يعني الاستسلام، فأن الاحتقان سوف يشتد في الداخل الإيراني وتكون تبعياته قاسية على رموز مؤسسة الحكم وكذلك على المؤسسة الدينية واتباعها في الداخل والخارج.
٢ – التداعيات على مستوى الاقليم .. في حال سقوط النظام او تسليم مخزون اليورانيوم الذي يعتبر بمثابة التوقيع على وثيقة الاستلام فأن اوضاع الاقليم سوف تتغيير بالكامل واولها إنهاء كافة الميليشيات الولائية وسينتهي دور ايران السياسي والعسكري في المنطقة وبعد ذلك لم يعد هناك حزب الله ولا ميليشيات العراق ولا اليمن والأكثر من ذلك سوف تعزز امريكا هيمنها على المنطقة وفق مشروع الشرق الأوسط الجديد .. اما لو بقي النظام ودون تسليم مخزون اليورانيوم فأن ايران سوف تعلن تسيدها على المنطقة حتى لو من باب التباهي بالرغم من الضربات الموجعه التي قد تؤخر تعافيها عشرات السنين.
٣ – التداعيات على مستوى الخليج العربي .. وأيضاً نضع احتمالية سقوط او استسلام ايران وفق المفاوضات الجارية التي تفائل الرئيس ترامب بنجاحها فأن دول الخليج الذي مدح الرئيس ترامب ادائهم سوف تتخلص من كابوس كبير واكيد سوف يكون لها دور ريادي في المنطقة وأيضاً لا يوجد ما يمنعها في المرحلة الجديدة من التوجه لخيار التطبيع مع اسرائيل، اما لو حصل العكس وبقي النظام فأن دول الخليج لم يهدأ لهم بال إلا العمل على حماية امنهم القومي دون الاتكال على أحد بل الاعتماد على امكاناتهم قدر الإمكان مع اتخاذ كثير من الإجراءات الوقائية خصوصاً بعدما كشرت ايران عن انيابها، واولها تقليص او قطع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع ايران ثم القيام بمكافحة الخلايا النائمة والقنابل الموقوتة وسحب الجنسيات او تسفير كل من يظهر الولاء إلى إيران، وأيضاً العمل على غلق كافة المؤسسات الإيرانية في تلك الدول من حوزات ومدارس ومراكز تجارية ومستشفيات وغيرها لان التجربة المريرة التي عاشتها تلك الدول في هذة الأيام العصيبة بالرغم من محاولاتها النأي بالنفس والابتعاد عن الصراع، بقيت هدف لايران بحجة وجود قواعد امريكية فيها، بينما الدول المحيطة بايران مليئة بالقواعد الامريكية والاسرائيلية مثل قاعدة انجرلك في تركيا، وأيضاً هناك قواعد في باكستان والهند واذربيجان، فلماذا القصف يطال فقط الدول العربية اكثر من اسرائيل نفسها اليس في ذلك تعبيراً عن الحقد العنصري لنظام الملالي تجاه كل ما هو عربي، مما يعني ان عداء ايران للعرب نابع من عمق التاريخ اكثر من صرخاتها الموت لاسرائيل وأمريكا، وتلك الضربات دليل إثبات على ان ايران تشكل خطر وجودي على دول الخليج وعلى العرب عموماً وفق اجندتها التوسعية وسياسة تصدير الثورة حسب منهجية ولاية الفقية، لذلك لابد من استحضار مقومات القوة باستخدام النفط والمال لان المال قوة وسلاح لا يستهان به خصوصاً لو تم استخدامه بالشكل الصحيح لانه لا خير في مال لا يحمي الحال، لان الأمن القومي اهم من الترف والتبذير .. وعلية يفترض بدول مجلس التعاون الخليجي ان تتحصن بمقومات القوة والتسليح وتأسيس قوة عسكرية مشتركة للدفاع عن مصالحها وأمنها القومي بدلاً من الاتكال على الغير، والإدانة والشجب التي لا تقدم ولا تؤخر.
٤ – التداعيات على المستوى العالمي .. ونعود الى فرضية سقوط النظام او الاستسلام وفق تخليه عن اليورانيوم والصواريخ والأذرع في المنطقة وفق مطالب الرئيس ترامب فأن امريكا سوف تكون قطب دولي واحد بلا منافس وسوف تحكم قبضتها على كثير من المفاصل الدولية سواء في الشرق الاوسط او في قارتي اسيا واوربا .. وأما بخلاف ذلك واستمر النظام في غطرسته فسوف يظهر نسق دولي جديد قائم على تحالف روسي صيني إيراني يمثل قطبية ثنائية جديدة منافسة للقطب الأمريكي .. اي إعلان فشل مبدأ القطب الواحد وهذا يمثل خسارة كبرى لأمريكا وأيضاً يكون عامل مشجع لبروز اقطاب دولية أخرى في اوربا او في أمريكا الجنوبية او في اسيا .. فهل تقبل امريكا بذلك .. مما يعني كل ذلك متوقف على ما سيحصل بعد هذة المهلة او ما يتمخض عن نتائج المفاوضات في غضون الساعات العصيبة التي تمر بها المنطقة والعالم اجمع !!!



