
لم يكن فجر باريس في الرابع والعشرين من أغسطس عام ١٥٧٢م يشبه أي فجرٍ سبقه.
المدينة التي نامت على أنغام الأعراس، استيقظت على رائحة الدم.
في تلك الليلة، لم تكن الأجراس تُقرَع للصلاة،
بل لتعلن بدء واحدة من أبشع المذابح في التاريخ الأوروبي.
قبل أيام قليلة فقط، كانت شوارع باريس مزدحمة بالفرسان والنبلاء القادمين من كل أنحاء فرنسا. جاءوا ملبّين دعوة السلام، يحملون أثواب الزفاف لا الدروع، ويؤمنون بأن العرش قد اختار المصالحة بدل السيف.
في قلب هذا المشهد، وقفت الأميرة (مارجريت دي فالوا) ،
تتقدّم نحو مذبح الزواج، لتتزوج (هنري ملك نافارا) ، زعيم البروتستانت.
كان الزواج صفقة سياسية بامتياز، رُسمت لتُنهي عقودًا من الحروب الدينية التي مزّقت فرنسا.
لكن التاريخ… لا يبتسم دائمًا للنوايا الحسنة.
لكن خلف جدران القصر الملكي، كانت امرأة تراقب كل شيء بصمتٍ بارد. أمرأة التي لا تنام
لم تكن ملكةً متوَّجة فحسب، بل ملكة عقول مخيفة.
إنها (كاترين دي ميديشي) ،
أم الملك (شارل التاسع) ،
والحاكم الفعلي لفرنسا في زمن الاضطراب.
لم تثق بالبروتستانت، ولم تطمئن لتحالفٍ يمنحهم نفوذًا داخل البلاط. كانت ترى فيهم تهديدًا مباشرًا لسلطة أبنائها، وخطرًا يتسلل إلى قلب الدولة.
وعندما فشلت محاولة اغتيال الزعيم البروتستانتي (غاسبار دو كوليني)،
لم تفشل الخطة…
بل تغيّرت.
وجائت ساعة القرار مع تصاعد الغضب والخوف، اجتمع البلاط في ليلة قاتمة.
كان الملك شابًا مترددًا، تحاصره الضغوط من كل اتجاه.
وفي تلك اللحظة، دفعت كاترين باب التاريخ بيدٍ من حديد.
صدر القرار:
اقتلوا القادة… قبل أن يقتلوا العرش.
قرارٌ سياسي، لكنه ممهور بالخوف،
وسيُدفع ثمنه دمًا.
مع أول ضوء للفجر، بدأت المطاردة.
اقتحمت الميليشيات البيوت، سُحلت الجثث في الشوارع، وتحوّلت باريس إلى مسرح جنوني للقتل الجماعي. مذبحة بمعنى الكلمة.
لم يكن هناك تمييز،
ولا رحمة.
الرجال ذُبحوا في أسرّتهم،
النساء صرخن بلا مجيب،
والأطفال… لم يفهموا لماذا لم يستيقظ آباؤهم.
وخلال أيام قليلة، سقط آلاف القتلى في باريس وحدها،
ثم انتقلت العدوى إلى مدن أخرى، لتتحول المجزرة إلى كارثة وطنية. بين طائفتين مسيحيتين
وافق الملك (شارل التاسع) على ما حدث،لكن التاريخ لم يعفُ عنه.
أما (كاترين دي ميديشي)،
فبقي اسمها عالقًا بين صورتين لا تجتمعان:
أم فرنسا في كتب البلاط
و ملكة الدم في ذاكرة الضحايا
لم تحمل سيفًا،
لكنها حرّكت مدينةً كاملة نحو المذبحة.
لم يكن ما حدث خطأً عابرًا في مسار التاريخ، بل لحظة كشفت الوجه الحقيقي للسلطة عندما تخاف.
وسيظل اسم (كاترين دي ميديشي) مرتبطًا بذلك الفجر،
حين تحوّل الزفاف إلى جنازة،
والسلام إلى خديعة، وفرنسا إلى مقبرة مفتوحة.


