منوعات

صوتٌ يصدحُ بالحق في زمنِ الفتن

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

في صفحات التاريخ المعاصر لسلطنة عُمان، يبرز اسمٌ اقترن بالعلم والاعتدال، وبالكلمة الصادقة التي لا تنحني للعواصف… إنه سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، أحد أبرز علماء الأمة في هذا العصر، والمفتي العام لسلطنة عُمان منذ عام ١٩٧٥م، وهو المنصب الذي لا يزال يتولاه إلى يومنا هذا، حاملاً أمانة الفتوى، وموجّهًا بوصلة الخطاب الديني نحو الحكمة والاتزان.

وُلد الشيخ في ٢٧ يوليو عام ١٩٤٢م في زنجبار، في بيئةٍ علميةٍ أصيلة، فشبّ محبًا للعلم، حافظًا لكتاب الله، متتلمذًا على أيدي العلماء، حتى تشكّلت شخصيته العلمية المبكرة. ومع عودته إلى عُمان، بدأ مسيرته في التعليم والدعوة، قبل أن يتدرّج في المناصب، فيُعيّن مديرًا للشؤون الإسلامية، ثم يُختار مفتيًا عامًا للسلطنة.

لم يكن حضوره مقتصرًا على الفتوى فحسب، بل امتد إلى ساحة التأليف، حيث أثرى المكتبة الإسلامية بعدد من المؤلفات القيّمة، من أبرزها:

*”جواهر التفسير”* (تفسير للقرآن الكريم)
*”الحق الدامغ”*
*”الفتاوى”* (في عدة مجلدات)
*”الإيمان”*
وغيرها من الكتب التي تناولت العقيدة والفقه وقضايا الفكر الإسلامي

لقد جمع في شخصه بين العالم والمربّي، وبين الفقيه والمفكر، فكان حضوره ممتدًا في ميادين العلم والدعوة، ومرجعًا يُلجأ إليه في النوازل والقضايا الكبرى.

وفي زمنٍ اختلطت فيه الأصوات، وتكاثرت فيه الروايات، وبهتت فيه معالم الحق بين ضجيج المصالح، يبرز صوته ثابتًا لا يتلوّن، وهادئًا لا يضطرب، لكنه عميق الأثر… صوتٌ ظلّ لعقودٍ منارةً للعلم، وضميرًا حيًّا ينطق بوجع الأمة وآمالها.

وحين اشتدّت المحن، وخصوصًا في أرض غزة، لم يقف الشيخ موقف المتفرّج، بل صدح بكلمة الحق، مؤكدًا أن ما يجري هناك ليس مجرد حدثٍ سياسي، بل جرحٌ نازف في جسد الأمة، واختبارٌ حقيقيّ لضميرها الحي.

كان خطابه واضحًا لا لبس فيه:
أن نصرة المظلوم ليست خيارًا، بل واجبٌ تمليه العقيدة قبل أن تفرضه الإنسانية، وأن الصمت على الظلم خذلان، وأن التخاذل يورث الهزيمة قبل أن تقع.

وفي خضمّ الفتن التي تعصف بالعالم الإسلامي، دعا إلى ما هو أعمق من ردود الأفعال؛ دعا إلى *وحدة الصف*، لأن الأمة الممزقة لا تنتصر، ولأن التنازع يبدّد القوة ويمنح العدو فرصة التمكين. كان يرى أن الطريق إلى النصر لا يُعبد بالشعارات، بل بالإصلاح، وبالرجوع إلى القيم التي صنعت مجد هذه الأمة يوم كانت أمةً واحدة.

ولم يكتفِ بالدعاء، وإن كان الدعاء سلاح المؤمن، بل حرّض على العمل، على البذل، على أن يقدّم كل إنسان ما يستطيع، ولو كان قليلاً؛ فربّ قليلٍ صادقٍ يباركه الله، فيصير عظيم الأثر.

وفي زمنٍ تسارعت فيه خطوات التطبيع، وبهتت فيه مواقف كثيرة، بقي موقفه ثابتًا، يرى أن التنازل عن القضايا العادلة ليس سياسة، بل انكسار، وأن الحق لا يُقايض، وأن المبادئ لا تُباع في أسواق المصالح.

ومع ذلك، لم يكن صوته صاخبًا بالتحريض، ولا داعيًا إلى الفوضى، بل كان صوت حكمةٍ واتزان؛ يربط بين النصر والإصلاح، بين القوة والأخلاق، بين الثبات والوعي. يذكّر الأمة بأن معاركها الحقيقية تبدأ من داخلها، من صدقها مع نفسها، ومن عودتها إلى ربها.

هكذا ظلّ صوت أحمد بن حمد الخليلي…
صوتًا يصدح بالحق في زمن الفتن، لا ينكسر أمام الضغوط، ولا يساوم على المبادئ، ولا يضلّ الطريق وسط الضباب.

صوتٌ إذا تحدّث، أيقظ الضمائر، وإذا نصح، لامس القلوب، وإذا دعا، جمع بين السماء والأرض…
فكان شاهدًا على عصرٍ كثرت فيه الفتن، لكنه اختار أن يكون من القلائل الذين يثبتون، ويُثبّتون، ويقولون الكلمة التي تبقى، حين يضيع كل شيء.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى