مقالات

إلى متى يُستباح العراق؟ حين تُدار الفوضى أمريكياً… وتتبرع الحكومة بأستقبال الخطر !!

ضياء الصفار …

إلى متى يتحمّل العراق أن يكون ساحة مستباحة لسياسات الآخرين؟ إلى متى يُطلب من العراقي أن يدفع من دمه وأمنه ومستقبل أطفاله ثمناً لصراعات لم يخترها، وحروب لم يكن صاحب قرار فيها؟

قرار نقل أسرى تنظيم داعش من الأراضي السورية إلى العراق – وبتوجيه أمريكي مباشر كما أشارت له وسائل الإعلام العالمية، ليس إجراءً أمنياً عابراً، ولا خطأ في التقدير، بل فعل سياسي مقصود يرقى إى مستوى الجريمة بحق دولة وشعب أنهكته الحروب والحصار والاحتلال.

الولايات المتحدة التي ترفع شعار محاربة الإرهاب، هي ذاتها التي تعيد تدويره وتوطينه حيث تشاء.فعندما تحوّل وجود آلاف الدواعش في سوريا إلى عبء أمني وقانوني، لم يُبحث عن حل دولي عادل، بل اتُّخذ القرار الأسهل والأكثر والأكثر تعقيداً وخطراً في آن وهو نقل الخطر إلى العراق.وكأن العراق بلا سيادة وبلا شعب ،وبلا ذاكرة دامية مع هذا التنظيم الأرهابي،فالعراق ليس مكبّ نفايات للإرهاب، وأن نقل الدواعش إلى العراق يعني عملياً ( إعادة فتح جراح لم تندمل وتعريض مدن مستقرة لخطر التفجير والفوضى وتعطيل أي أفق حقيقي لحماية المجتمع وحقوق الشعب العراقي) ، وهنا يبرز السؤال المهم : هل سيعود داعش ؟ السؤال الأهم و الأخطر: لماذا يُصرّون على إبقائه حيّاً؟
لا يمكن فصل هذا القرار عن الصراع الإقليمي، وخصوصاً مع إيران ، وداعش يُستخدم كورقة ضغط، وذريعة لبقاء عسكري، وأداة تهديد غير مباشر من شأنها أن تثير الفوضى والقلق والخوف والتوتر فالوقود دائماً هو الدم العراقي ،والمدن عراقية والضحايا عراقيون والفاتورة تُدفع من مستقبل شعبٍ لم يُستشر في شيء.
إزاء ذلك نقول : أن تُفرض الكوارث على العراق من الخارج جريمة،لكن أن تتطوع الحكومة نفسها لاستقبالها فهذه فضيحة سيادية وأخلاقية مكتملة الأركان.
اليوم، تتكشف الحقيقة الأخطر أمامنا !!فما يسمى بالحكومة العراقية أعلنت استعدادها لاستقبال نحو (7500) عنصر من تنظيم داعش، بقرار وبرعاية أمريكية، وبتنسيق مع الحكومة السورية.
وبهذا يسقط آخر قناع، ويُطرح السؤال الذي لا يمكن الهروب منه:هل هذا تصرف حكومة مسؤولة عن بلدٍ وشعب؟ أم سلوك سلطة منفصلة عن آلام العراقيين ودمائهم؟ وحين تتبرع الحكومة بالخطر .. أي مسؤولية هذه ؟ وأي خيانة للواجب !!؟
حين تنقل دولة عظمى إرهابيين إلى أرضك قسراً، قد تبرر العجز ، لكن حين تتبرع أنت باستقبالهم، فلا عجز هنا… بل قرار. والقرار يعني ( استهتاراً بدماء الضحايا ،مقامرة بأمن الوطن والشعب بأكمله ) . أي حكومة هذه التي ترى في استقدام الإرهابيين “إجراءً إدارياً”؟ وأي منطق يقبل أن يتحول العراق إلى مخزن بشري للإرهاب العالمي؟
( هل سُئل الشعب؟ هل جرى استفتاء؟هل نوقش القرار علناً؟ هل صارحوا العراقيين بالمخاطر؟) .
الجواب واضح ( لا ) !!لأن هذه السلطة لا تتصرف كحكومة شعب،بل كـ وكيل تنفيذ لقرارات خارجية، تتعامل مع العراق كأرض فائضة عن الحاجة، ومع الشعب كرقم يمكن المخاطرة به.
داعش ليس “ملفاً”… بل جرح مفتوح ، داعش ليس أرقاماً في قوائم نقل … داعش ( سبايا ،مجازر ،مدن مدمرة ، أجيال يتامى ، ذاكرة رعب لم تُمحَ بعد ) .
فأي عقل سياسي مريض يظن أن استيراد هذا التنظيم – ولو كأسير – لا يحمل مخاطر انفجار أمني واجتماعي؟
أم أن المطلوب عمداً: إبقاء الخوف حيّاً؟ إبقاء الذريعة جاهزة؟ أم إبقاء العراق رهينة “التهديد الدائم”؟ الحكومة التي لا تحمي شعبها تفقد شرعيتها ،الدولة تُقاس بشيء واحد وهو قدرتها على حماية شعبها، لا تعريضه للخطر.
وحكومة تستقبل الدواعش، وتراهن على “الضبط الأمني”،وتطمئن الناس ببيانات باردة،هي حكومة لم تتعلم شيئاً من تاريخ العراق القريب، أو أنها تعلم… وتغامر عن سبق إصرار ، وفي الحالتين، النتيجة واحدة هي فقدان الثقة… وفقدان الشرعية الأخلاقية ، العراق ليس شركة خدمات أمنية كما أنه ليس سجناً دولياً أو مخيماً للأرهابيين وليس ساحة مقايضات إقليمية ولا ثمناً لعلاقات خارجية ،العراق وطن شعبه ليس حقل تجارب ،ومن يفتح الباب للإرهاب شريك في نتائجه ، والسكوت عن هذا القرار لم يعد حياداً ،والتبرير لم يعد سياسة ،والقبول لم يعد حكمة.و من يقرر إدخال داعش إلى العراق، يتحمل سياسياً وأخلاقياً كل قطرة دم قد تُراق لاحقاً.
والسؤال الذي سيبقى يطارد هذه السلطة:
من فوضكم أن تخاطروا بأمن العراق؟
ومن أعطاكم حق المقامرة بمستقبل شعبٍ لم يعد يحتمل؟

23 / كانون الثاني/ 2026

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى