شعر و قصص

هنري تاندي…رصاصة الرحمة التي وقفت في مواجهة التاريخ

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

في خريفٍ دامٍ من خريفات عام ١٩١٨م، كانت أوروبا تختنق بدخان الحرب العالمية الأولى، وكانت الخنادق الممتدة عبر شمال فرنسا تبتلع الرجال كما تبتلع الأرض المطر.
هناك، في إحدى القرى الفرنسية القريبة من ماركوينغ (Marcoing)، وقف جندي بريطاني شاب يحمل بندقيته وضميره معًا… اسمه *هنري تاندي.*

كان تاندي جنديًا في فوج دوق ويلينغتون الخامس (5th Duke of Wellington’s Regiment)، التابع للجيش البريطاني، وهو فوج عُرف بالانضباط والقتال العنيف في الجبهة الغربية، ضمن تشكيلات اللواء البريطاني الذي شارك في أشرس معارك الأيام الأخيرة من الحرب.

في تلك اللحظة المصيرية، لمح هنري جنديًا ألمانيًا جريحًا، يعرج بصعوبة محاولًا الانسحاب من خط النار.
لم يكن الرجل يرفع سلاحًا، ولا يطلب قتالًا، بل كانت عيناه معلقتين بالموت القادم.

رفع هنري بندقيته…
صوّب…
الهدف قريب…
والقانون العسكري واضح.

لكن شيئًا ما انكسر في داخله.

لم يستطع أن يطلق النار على رجلٍ أعزل، جريح، منكسر.
أنزل بندقيته ببطء، ولوّح بيده إشارةً إلى الرحيل.
أومأ الجندي الألماني برأسه شاكرًا، ثم اختفى وسط الضباب والدخان… وكأن الأرض ابتلعته.

مرت السنوات…
وانتهت الحرب…
وتقلّد هنري تاندي أرفع وسام عسكري بريطاني، وسام فيكتوريا كروس (Victoria Cross)، والذي مُنح له رسميًا عام ١٩١٩م تقديرًا لشجاعته الاستثنائية في المعارك.

لكن القصة لم تنتهِ هناك.

لاحقًا، ستنتشر رواية مذهلة تقول إن ذلك الجندي الألماني الجريح لم يكن شخصًا عاديًا، بل كان عريفًا شابًا في الجيش الألماني…
اسمه *(أدولف هتلر) .*

الرجل الذي سيشعل بعد سنوات قليلة حربًا عالمية ثانية،
ويغرق العالم في بحر من الدماء،
ويودي بحياة عشرات الملايين.

الرواية تقول إن لحظة رحمة واحدة،
قرارًا إنسانيًا عابرًا في خندق موحل،
كان يمكن أن تغيّر مسار القرن العشرين بأكمله.

صحيح أن المؤرخين لم يثبتوا يقينًا هذا اللقاء، ولا توجد وثائق رسمية تؤكده بشكل قاطع،لكن الثابت تاريخيًا أن هنري تاندي بالفعل امتنع عن قتل جندي ألماني جريح احترامًا لمبدأ أخلاقي آمن به حتى نهاية حياته.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
أن أكثر القصص إيلامًا في التاريخ
لا تصنعها القسوة دائمًا…
بل قد تصنعها الرحمة أيضًا.

اظهر المزيد

كمال فليج

إعلامي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى