التوسع الجامعي غير المنضبط: حين يتحول التعليم من مشروع نهضوي إلى سوق مشبوه
بقلم الدكتور خالد الحديثي / أستاذ التكنولوجيا المتقدمة

لم يعد التوسع في الجامعات والكليات، سواء الخاصة أو الحكومية، ظاهرة تعليمية بحتة يمكن النظر إليها بعين التفاؤل الساذج. فخلف الأرقام المتزايدة للمؤسسات التعليمية، والمباني الحديثة، والعناوين البرّاقة للبرامج الأكاديمية، تتوارى إشكالية عميقة تتعلق بجوهر التعليم العالي، ووظيفته، وأدواره الحقيقية في المجتمع. السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى جامعات أكثر؟ بل أصبح: أي نوع من الجامعات نُنتج، ولمصلحة من؟
نظريا، يُفترض أن يكون التعليم العالي مشروعا استراتيجيا طويل الأمد، يستثمر في الإنسان بوصفه رأس المال الأهم لأي دولة. غير أن ما نشهده في كثير من الدول هو توسع كمي غير مدروس، لا تحكمه خرائط وطنية للبحث العلمي، ولا دراسات جادة لاحتياجات سوق العمل، ولا حتى رؤية واضحة لدور الجامعة في التنمية. هذا التوسع، بدل أن يكون أداة للنهوض المعرفي، أصبح في كثير من الحالات جزءا من منطق السوق، حيث تُدار الجامعة كما تُدار أي مؤسسة تجارية، ويُقاس نجاحها بعدد المقبولين لا بنوعية الخريجين.
الأخطر في هذا المسار هو الانفصال شبه الكامل بين مخرجات التعليم العالي وسوق العمل. تُخرّج الجامعات سنويا آلاف الطلبة في تخصصات متشابهة، مكررة، ومحدودة الطلب، في حين تعاني الأسواق من نقص حاد في المهارات التقنية، البحثية، والابتكارية. النتيجة ليست فقط ارتفاع معدلات البطالة بين الخريجين، بل خلق جيل محبط يحمل شهادات لا قيمة عملية لها، ويشعر بأن التعليم الذي وُعد به كجسر للترقي الاجتماعي لم يكن سوى وهم مؤجل.
وهنا نصل إلى مفهوم بالغ الخطورة: الأمية العلمية المقنّعة. فالشهادة الجامعية، في ظل هذا التوسع غير المنضبط، لم تعد ضمانا للمعرفة ولا دليلاً على الكفاءة. في كثير من المؤسسات، تآكلت معايير القبول، وتراجعت متطلبات التقييم، وغاب البحث العلمي الجاد، لتحل محلها مناهج سطحية، وحشو نظري، وتلقين لا ينتج عقلا نقديا ولا باحثا قادرا على التحليل. نحن أمام أجيال تحمل ألقابا أكاديمية، لكنها تفتقر إلى أدوات التفكير العلمي، وهو أخطر أشكال الأمية في العصر الحديث.
في هذا السياق، يصبح من المشروع – بل من الضروري – طرح سؤال حساس طالما جرى الهروب منه: هل تحوّل بعض التوسع الجامعي إلى غطاء لنشاطات مالية مشبوهة؟
التعليم العالي، خصوصا في القطاع الخاص، يُعد بيئة جذابة لرؤوس الأموال بسبب تدفقاته المالية الكبيرة، ورسومه المرتفعة، واستثماراته العقارية. وفي غياب حوكمة صارمة، وشفافية مالية، ورقابة مستقلة، يمكن أن تتحول بعض الجامعات إلى واجهات استثمارية لا علاقة لها بالتعليم بقدر ما لها بإعادة تدوير الأموال أو غسلها. طرح هذا السؤال لا يعني التعميم ولا الاتهام المباشر، لكنه يفضح هشاشة المنظومة الرقابية، ويكشف خطورة ترك قطاع استراتيجي بهذا الحجم دون مساءلة حقيقية.
حتى الجامعات الحكومية، التي يُفترض أن تكون حارس الجودة والمعرفة، ليست بمنأى عن هذا النقد. فالتوسع الحكومي أحيانا يخضع لمنطق سياسي أو استرضائي، لا لمنطق علمي. إنشاء جامعات جديدة دون بنية بحثية، أو دون ارتباط بمشاريع وطنية للإنتاج والمعرفة، يحوّل هذه المؤسسات إلى عبء على المال العام، ومجرد مراكز لتوزيع الشهادات، لا لتوليد القيمة المضافة.
المشكلة الجوهرية ليست في كثرة الجامعات، بل في تفريغ الجامعة من معناها. حين تصبح الجامعة مكانا لمنح الشهادات لا لصناعة المعرفة، وحين يُختزل التعليم العالي في سنوات دراسة ورسوم مدفوعة، نكون قد خانا جوهر فكرة التعليم نفسها. التعليم ليس سلعة، ولا الشهادة منتجا استهلاكيا، وأي تعامل معهما بهذه العقلية يدمّر البنية الفكرية للمجتمع على المدى الطويل.
إن استمرار هذا النهج يقود إلى نتائج كارثية: بطالة متزايدة، تراجع في الإنتاجية، ضعف في البحث والابتكار، وانفصال متزايد بين المعرفة والواقع. والأسوأ، أنه يخلق فجوة عميقة بين جيل متعلم شكليا، ومجتمع يحتاج إلى عقول قادرة على التفكير، النقد، والإبداع.
ختاما، لا بد من القول بوضوح: التوسع الجامعي غير المدروس ليس تقدما، بل تضليل مؤسسي. الإصلاح لا يبدأ بإغلاق الجامعات، بل بإعادة تعريف دورها، وربطها بخطط تنموية حقيقية، وفرض معايير جودة صارمة، وشفافية مالية لا تقبل الالتفاف. فالتعليم العالي إما أن يكون مشروعا نهضويا يبني الإنسان والمجتمع، أو يتحول – بصمت وخطورة – إلى سوق فارغ، وربما إلى غطاء لما هو أبعد من التعليم ذاته.



