
في السابع عشر من كانون الثاني/يناير 1991، لم يكن ما تعرّض له العراق حربًا عابرة، ولا ردًّا عسكريًا محدودًا، بل بداية مشروعٍ طويل الأمد استهدف الدولة العراقية في وجودها ووظيفتها ودورها. لقد كان ذلك العدوان الصفحة الأولى في كتاب الاحتلال الذي لم يُعلن رسميًا إلا عام 2003، لكنه كُتب عمليًا منذ اللحظة الأولى لسقوط أول صاروخ على بغداد.
منذ تلك الليلة، دخل العراق في حربٍ مفتوحة متعددة الأشكال، لم تتوقف عند القصف الجوي، بل استمرت عبر الحصار الشامل، والعدوانات المتكررة، وتدمير البنية التحتية، وتجفيف مقدرات الدولة، واستنزاف الإنسان العراقي، تمهيدًا لإضعاف الداخل، وكسر الإرادة، وتهيئة الأرضية السياسية والاجتماعية للاحتلال الكامل.
لم يكن الحصار الذي فُرض على العراق بعد 1991 إجراءً عقابيًا، بل أداة حرب بطيئة، استهدفت المجتمع بأكمله:
• جوعٌ منظم،
• تدهور صحي وتعليمي،
• انهيار الطبقة الوسطى،
• وتآكل منظومة القيم بفعل الفقر واليأس.
كان الهدف واضحًا: تفكيك المجتمع قبل تفكيك الدولة، وإرهاق الشعب حتى يفقد قدرته على المقاومة، أو حتى على الاعتراض. وبين عامي 1991 و 2003 لم يعرف العراق السلام يومًا؛ فـ”مناطق الحظر الجوي”، والضربات المتكررة، والتهديد الدائم، كانت كلها فصولًا متواصلة من العدوان نفسه، لا أحداثًا منفصلة وأن ماحصل عام2003 لم يكن مفاجأة… بل نتيجة .
حين دخلت قوات الاحتلال إلى بغداد عام 2003، لم تدخل بلدًا سليمًا، بل دولة أُنهكت عمدًا على مدى اثني عشر عامًا ،كان الاحتلال تتويجًا لمسار بدأ عام 1991، لا قرارًا طارئًا. وقد جرى خلال تلك السنوات:
• نزع قدرات العراق العسكرية،
• شيطنة الدولة سياسيًا وإعلاميًا،
• عزل العراق إقليميًا ودوليًا،
• وتحويله إلى “ملف” لا دولة.
لهذا فإن الفصل بين عدوان 1991 واحتلال 2003 هو تزوير للتاريخ، وتبرئة غير مباشرة للمشروع الذي تعامل مع العراق بوصفه هدفًا طويل المدى، لا أزمة مؤقتة.
فالعراق اليوم ما هو إلا نتاج مشروع لم يُغلق ملفه بعد !!
وبعد خمسة وثلاثين عامًا، لا يزال العراق يعيش تداعيات ذلك المشروع الذي أنتج (سيادة منقوصة،نظام سياسي هش،أمن متقلب،اقتصاد ريعي مرتهن،وانقسام مجتمعي عميق ) . لقد تغيّرت أدوات السيطرة،لكن جوهر المشروع لم يتغير وهو إبقاء العراق ضعيفًا، منقسمًا، غير قادر على استعادة دوره الطبيعي في محيطه العربي والإقليمي.
إحياء ذكرى العدوان الأطلسي على العراق يجب أن يكون فعلاً وطنيًا واعيًا، لا مجرد استعادة للألم ومسؤولية وطنية وليس طقساً عاطفياً، إنها ذكرى تُحمّل الحركة الوطنية و قواها السياسية، والنُخب والمجتمع مسؤولية كبرى تتحدد
في قراءة التاريخ بصدق، وفي عدم تبرئة أي مرحلة من مراحل العدوان المستمر، ومن ثم العمل على استعادة الدولة التي أُسقطت تدريجيًا قبل أن تُحتل عسكريًا.
لم تنتهِ حرب 1991 في 1991، ولم يبدأ الاحتلال في 2003 فقط ،إنها حرب واحدة طويلة، تغيّرت أدواتها، وتبدّلت عناوينها، وبقي هدفها ثابتًا ، فهي حرب لم تنتهِ .. لكنها لم تُحسم !!
ومع ذلك، فإن العراق الذي صمد تحت القصف، وصبر تحت الحصار، وقاوم الاحتلال، ما زال يمتلك فرصة النهوض، شرط أن يدرك أن استعادة الدولة هي المعركة الحقيقية، وأن الذاكرة الوطنية ليست للبكاء، بل للبناء.
في الذكرى الخامسة والثلاثين، نقول:نعم، بدأ العدوان عام 1991،لكن معركة استعادة العراق…لم تُحسم بعد!!
17 /كانون الثاني / 2026



