وديعة أود (Oudh Bequest): الدعم المالي للحوزات الشيعية في العراق ومصيرها بعد الاحتلال البريطاني
بقلم د. عبد الرحيم الشويلي

مقدمة
تُعد وديعة أود، المعروفة أيضًا باسم “وديعة عودة” في العراق بسبب النطق المحلي لاسم مملكة أود (Awadh)، من أبرز أشكال الدعم المالي الذي قدمه نواب أود في لكنهو، عاصمة ولاية أود التاريخية في الهند، للحوزات العلمية الشيعية في النجف وكربلاء خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
كانت هذه الوديعة تهدف إلى تمويل تعليم رجال الدين الشيعة ودعم المؤسسات الدينية. مع الاحتلال البريطاني للعراق عام 1917م، تأثرت إدارة هذه الأموال، مما يثير تساؤلات حول مصيرها.
أولاً: السياق التاريخي: مملكة أود والشيعة.
1. مملكة أود ومدينة لكنهو
تأسست مملكة أود في لكنهو، عاصمة ولاية أود التاريخية، عام 1722م، وحكمها نواب شيعة إثني عشرية مثل آصف الدولة (1775م-1797م) وواجد علي شاه (1847م-1856م). كانت لكنهو مركزًا ثقافيًا ودينيًا شيعيًا بارزًا، وساهمت في نشر المذهب الشيعي، كما كانت معروفة بتطورها العمراني ومجتمعاتها العلمية.
2. العلاقة مع العراق
ارتبطت أود بالحوزات العلمية في النجف وكربلاء من خلال التبادل الثقافي والديني. سافر علماء شيعة من الهند، مثل السيد دلدار علي النقوي (1753-1820)، إلى العراق للدراسة، بينما تلقت الحوزات دعمًا ماليًا من نواب أود لتمويل تعليم الطلاب وبناء المؤسسات الدينية.
3. طبيعة الوديعة
كانت الوديعة عبارة عن تبرعات مالية أو أوقاف مقدمة من نواب أود لدعم الحوزات و تُستخدم لتغطية نفقات الطلاب، بناء مكتبات، وإقامة مجالس حسينية. يُشار إليها في العراق بـ”وديعة عودة” بسبب النطق المحلي لاسم “أود”.
ثانياً: كمية الوديعة
أ. تحديات التوثيق: لا توجد وثائق دقيقة تحدد القيمة المالية الدقيقة للوديعة التي قدمها نواب أود.
ب. تقديرات غير مباشرة: بحسب كتاب Roots of North Indian Shi‘ism in Iran and Iraq لخوان ر. كول، كان نواب أود يخصصون مبالغ كبيرة، تُقدر أحيانًا بآلاف الروبيات سنويًا، لدعم الحوزات والمؤسسات الدينية في النجف وكربلاء.
في أواخر القرن الثامن عشر، كان يُرسل مبلغ سنوي يُقدر بحوالي 10,000 إلى 50,000 روبية هندية.
هذه الأموال كانت تُدار كأوقاف أو تُوزع مباشرة على العلماء والطلاب.
ج. القيمة النسبية: في ذلك الوقت، كانت الروبية الهندية تمثل قيمة كبيرة، خاصة عند تحويلها إلى العملة العثمانية، وكانت كافية لتغطية نفقات مئات الطلاب سنويًا ودعم بناء مكتبات ومدارس دينية.
ثالثاً: إدارة الوديعة قبل الاحتلال البريطاني
خلال الحكم العثماني، كانت الحوزات في النجف وكربلاء تتمتع باستقلالية نسبية في إدارة الأموال. التبرعات من أود كانت تُرسل عبر قنوات دينية مثل العلماء أو الوكلاء، وتُستخدم لتمويل دراسة الطلاب، دعم المجالس الحسينية، وبناء مكتبات ومؤسسات.
رابعاً: مصير الوديعة بعد الاحتلال البريطاني (1917)
1. الوضع في أود: بحلول عام 1917، كانت مملكة أود قد ضُمت إلى الهند البريطانية عام 1856 بعد خلع واجد علي شاه، مما أدى إلى توقف التبرعات المباشرة من أود.
2. الاحتلال البريطاني للعراق: بعد سيطرة البريطانيين على العراق، خضعت الأوقاف والموارد المالية الدينية لإشراف إداري أكثر صرامة.
3. تأثير الاحتلال على الوديعة:
لا توجد وثائق تشير إلى مصادرة مباشرة من قبل البريطانيين.
إعادة تنظيم الأوقاف، خاصة بعد ثورة 1920 العراقية، قد أعادت توجيه بعض الأموال أو قيّدت استخدامها.
استمرار دعم الحوزات من مصادر أخرى مثل التبرعات الإيرانية والمحلية عوّض عن فقدان دعم أود.
4. الثورة العراقية 1920م: مشاركة الشيعة في الثورة زادت من التدخل البريطاني في الشؤون الدينية، وتم نفي بعض العلماء، مما أثر على إدارة الأموال.
خامساً: الأثر طويل المدى
استمر تأثير وديعة أود من خلال الأوقاف والمؤسسات التي دعمتها في النجف وكربلاء.
استبدلت الحوزات مصادر التمويل من أود بدعم من الشيعة في إيران والعراق.
في لكنهو، استمر الإرث الشيعي من خلال المؤسسات الدينية التي أسسها النواب، لكن نفوذها تقلص تحت الحكم البريطاني.
سادساً: ملحق: الوكلاء الفعليون قبل عام 1900م
أ. الوكلاء في النجف
السيد هاشم القزويني – وكيل رئيسي لتلقي الوديعة وتوزيعها على الحوزات والمكتبات
السيد عبد الله البحراني – تحويل الأموال للمكتبات وتغطية نفقات الطلاب
السيد محسن النقوي – إدارة مكتبة الحوزة وتوزيع الكتب على الطلاب
آل بحر العلوم – توزيع الأموال على الطلاب والمجالس الحسينية
السيد علي الخباز – وكيل مؤقت لبعض التحويلات المالية الموسمية
ب. الوكلاء في كربلاء
بيت آل كمال (آل كمال) – إدارة الأموال لبناء الحسينيات والمكتبات
السيد محمود البغدادي – استلام جزء من الوديعة لدعم المجالس الحسينية والمكتبات
ملاحظات عامة على إدارة الوديعة
كانت الأموال غالبًا على شكل روبيات هندية أو ذهب، تُسلم عبر وكلاء رسميين أو الحجاج الهنود
الوكلاء كانوا يسجلون التحويلات بدقة لضمان وصول الأموال للحوزات والطلاب
الأموال كانت تُوزع على الطلاب، الحسينيات، المجالس الحسينية، والمكتبات الصغيرة أو صيانة المباني الدينية
ساعدت هذه الوكالات على استمرارية التمويل واستقلالية الحوزات
سابعاً: الخلاصة
كانت وديعة أود، أو “وديعة عودة”، تبرعات مالية كبيرة قدمها نواب أود لدعم الحوزات العلمية الشيعية في النجف وكربلاء خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. استمرت الحوزات في تلقي دعم من مصادر أخرى بعد توقف التدفقات المباشرة من أود، واستمرت إدارة الأموال عبر شبكة من الوكلاء الموثوقين، مما حافظ على استمرارية التعليم الشيعي ومؤسسات الحوزة.
ثامناً: توصيات لمزيد من البحث
مراجعة سجلات الحوزات في النجف وكربلاء حول الوكلاء والتحويلات المالية
الاطلاع على أرشيفات الإدارة البريطانية في العراق (1917-1932) لمعرفة تأثير الرقابة على الأوقاف
دراسة كتب التاريخ الشيعي مثل أعمال خوان ر. كول لمزيد من التفاصيل حول العلاقة المالية بين أود والحوزات.
المصادر
Kool, Juan R. Roots of North Indian Shi‘ism in Iran and Iraq. New York: Palgrave Macmillan, 2002
Nakash, Yitzhak. The Shi‘is of Iraq. Princeton: Princeton University Press, 1994
Ansari, Sarah F. Life after Partition: Migration, Community and Strife in Sindh, 1947-1962. Karachi: Oxford University Press, 2005
Cole, Juan R.I. Colonialism and the Shia Religious Institutions of India and Iraq. Middle Eastern Studies Journal, 1985
سجلات الحوزات العلمية في النجف وكربلاء (أرشيفات داخلية، نسخة ميسرة لدى الباحثين العراقيين، غير منشورة)
Lapidus, Ira M. A History of Islamic Societies. Cambridge: Cambridge University Press, 2002
Burton, Richard F. Personal Narrative of a Pilgrimage to Al-Madinah and Meccah. London: Longmans, 1855



