مقالات

في زحمة الاحداث المتناقضة ماذا بقي لكي نحلل ؟

أستاذ دكتور طارق السامرائي

عندما تتداخل الخنادق وتنفرط عقد الترابط بين الاحداث ،ما الذي سيسلكه المحللون واصحاب الفكر والقلم ؟ ان الانفلات في اسس ومبادئ العمل الدولي اصبح خارج اطار النظرية الاخلاقية وبديهياتها .
عجزت الأقلام عن تقديم قراءة وتحليل لما يطبخ في معامل صناعة السياسة وسينيوراتها وطرح المعقول في إلا معقول وبات موضوع المصالح والمنافع شريعة القوي العظمي بلا مرجعية قانونية ولا دستورية وتجدين شعار (العصا لمن عصي والطاعة في القبول ) .
فما يجري في العالم لم يعد يحتاج الي عمل (ماوراء الكواليس) فالأهداف معلنة وطبول الحرب تدق والاقوي هو المنتصر بلا مرجعية اخلاقية او قانونية وضاع الحق وسط ضبابية الباطل !
وحادث جر الرئيس الفنزويلي عنوة وبطريقة صارخة وجارحة لإجراء محكمة في الحضن الأمريكي فاما المقصلة او حبل الإعدام او الغياب في دهاليز السجون !
هذا الدرس الدولي القاسي لا ينفصل في سردياته عن احتلال العراق ولماذا اقدمت امريكا علي تسليمه الي ايران وعملاؤها ؟لماذا ؟وما هي الحكمة او درجة الغباء في هذا المشروع ؟
ومن البديهي ليس من السذاجة تبرير غزو العراق عام 2003 ضمن سياق ما بعد تفنيدة ١١ايلول والتي امتدّت فيها أصابع أمريكا وحلفائها كتبرير لاسقاط (البعث)من منظور الامن القومي الأمريكي ،لان السؤال الاصعب والأكثر أرباكا هو (ما الذي دفع أمريكا لكي تسلم مفاتيح العراق دولة ونظاما ومجتمعا الي احزاب وميليشيات تدين في بنيتها الايدلوجية والفكرية والمذهبية والسياسية لايران العدو التاريخي للعرب ؟
هذا القرار لم يقف عند حدود الخطأ التكتيكي العابر والغير حكيم في مرحلة اعتبرتها السياسة الأمريكية مرحلة انتقالية ،بل تحولت الي خطأً استراتيجي هو الاسوأ والأكبر في تاريخ سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في اقليم الشرق الأوسط ،حيث فتحت فيه ابواب التمدد للنفوذ الايراني واستشراء سرطانياته الي بقية دول الشرق الأوسط (سورياولبنان واليمن والعراق ).
والتفسير الواقعي والمدروس جاء عميقاً ومركبا كونه (انحراف خطير للسياسة الأمريكية ).ويتجلي هذا الفشل في خلق نهج تخبطي للتعامل الأمريكي مع طبيعة الواقع وأساسياته المجتمعية وكينونته الدينية والقومية وسياسته واقتصاده ،ولم تعد أمريكا قادرة علي تخصيب هذه العوامل لصالح نجاح مشروعها واستقطاب دول الشرق الأوسط تحت مظلتها ،بل زرعت عناقيد من الخوف المصطنع للسياسة الأمريكية وفي باطنها وجع وألم كبير في تربيع ايران ومذهبها الطائفي علي عروش دول الإقليم بلا حكمة ولا رؤية عميقة .
————————————————

الفشل الاستخباري في فهم الواقع الشيعي العراقي
————————————————
كانت (سي أي سي )الوكالة الأمريكية للاستخبارات قد ولجت الحرب وهي لا تملك خبرة كافية عن (شيعة العراق)بل تملك صورة غير واقعية ومشوهة عن هذه القوة المذهبية ،وكانت واشنطن تعتقد ان الإسلام السياسي الشيعي في العراق جله وطني ويمكن احتواؤه وكسب توازنه لصالح أمريكا دون ايران لانه يمثل قاعدة اجتماعية واسعة ولا يحمل مشروعاعقائديا معاديا للولايات المتحدة الأمريكية وهو ما افرزته الايام فكانت الحقيقة معاكسة تماماً لهذا التصور الخاطئ .
فمن الواقع ان نري ان غالبية من هذه القوي ربما نشأت وترعرعت وتمولت من ايران عبر مراحل تاريخية طويلة وتشبعت بأيديولوجيا( ولاية الفقيه) وأصبحت جزءامن عملية العمق الاستراتيجي الإيراني !
وهو ما استغبت فيه أمريكا في قراءة (الجغرافيا الطائفية والسياسية)واخطأت في تقدير النفوذ الإيراني داخل المعارضة العراقية قبل الاحتلال .
——————————————— الإقصاء القسري للقوي الوطنية السنية وبعض اخري وجريمة حل الجيش العراقي بمنتهي الغباء السياسي لتمكين بروز الميليشيات الذيلية وفرض سيطرتها .
———————————————-
لقد كان الحاكم (بول بريمر ) غافلا بكل هذه الأمور في بواطنها ودقة وجودها وعمق ترسيخاتها وجذورها ،كونه عسكري ولا يلم بالسياسة كسياسي فكان قراره بحل الجيش العراقي هو الاخر بمثابة (انتحار استراتيجي)،حيث ان غياب الجيش عن مسرح العمليات وهو القوة العسكرية للدولة والوطن والقادرة علي خلق التوازن ،فتحت الابواب علي مصاريعها امام تبؤ المليشيات الموالية لايران والمؤطرة أيرانيا وبعض أزلام المعارضة العراقية من عروق اخري والغير مؤهلة علي ادارة وممارسة الحكم وتنصيب (نظام المحاصصة الطائفي)الذي يرعي الطموحات والمصالح الايرانية!
وكان نتاج هذا الإقصاء لمراتب وضباط وطنيين من السنة والشيعة علي حد سواء والكثير من النخب الوطنية (فراغا واسعا)ملأته قوي تمتلك ولاءاتنا فوق الوطنية ،ولاءا طائفياً وعقائديا لنظام طهران قبل ان يجير لبغداد .
———————————————-
الظن السياسي الأمريكي القاصر في (أرضاء الاغلبية الشيعية )
———————————————
بنت أمريكا سياستها بعد الاحتلال وربما قبله علي (هاجس)تم لملمته بطريقة غير علمية وهو طرح سياسة (التعاطف بحسن النية والشكوك )مع الطيف الشيعي الإيراني انطلاقاً من واقع تعاون ايران في فتح حدودها لدخول القوات الأمريكية المحتلة للعراق كعربون عن الرد والمداهنة مع الأمريكان وإسرائيل،لذلك تجنبت أمريكا الصدام المباشر مع طائفة الشيعة والأكراد واعتبرت الموضوع نجاحاً لصيغ سياستها في الاحتلال !
كذلك لان واشنطن لم تجد أمامها سوي (احزاب الإسلام السياسي الشيعي )باعتبارها (الأكثر تنظيماً)ومنحتها السلطة التنفيذية ومفاصل الاستخبارات والامن وادارة الدولة والسيطرة علي البرلمان في ضوء وكما تدعيها شعاراتها (الممارسات الديمقراطية).!
لكن هذه الاحزاب لم تكن تمثل (الطيف الشيعي العراقي )علي الإطلاق ،بل تمثل (المشروع المذهبي الشيعي الإيراني داخل العراق ).
وبهذه السياسة الغبية والجاهلة للأمور سهلت أمريكا – وبدافع الخوف من الفوضي -(خلق فوضي اكبر وأصعب ).
——————————————-
القدرة الإيرانية في اختراق وامتلاك المرحلة الانتقالية في العراق .
————————————————-
فيما كانت واشنطن منشغلة بالتعامل بعقلية (ادارة ملفات تقنية ) كانت ايران تتحرك كقوة إقليمية تخوض (معركة وجود )فقد تمكنت ايران من تثبيت الوجود الميلشياوي وبدأت حماة اغتيالات منظمة من رجالات الجيش السابق وطياريه ومسؤوليه في حزب البعثوذوي النهج القومي وعلي المعلومات المتوفرة والهوية الدينية واخترقت الأجهزة الامنية وسيطرت علي (الاقتصاد الموازي)واستثمرت كل ثغرة تركتها أمريكا .
فكان الفرق واضحاً ايران تخوض (حرب نفوذ )،وأمريكا تدير مشروعا (بيروقراطيا مرتبكاً)،ولهذا فقد فازت ايران بيسر وسهولة وأناة بعد ان قدمت أمريكا لها العراق علي صحن من ذهب .
————————————————
الانشغال الأمريكي الحربي في افغانستان ومواجهات الانقسام الداخلي .
———————————————
كانت الادارة الأمريكية في عهد بوش المحتل تملك القدرة علي ادارة (حربين ضخمتين في وقت واحد العراق وافغانستان)
لذلك اتخذت قرارات ذات طابع متسرع وقصيرة التنفيذ وركزت علي (الخروج المبكر ) وتخفيض كلفة الاحتلال وتقليل الاحتكاك (التصادم الشعبي )في وقت وجود مقاومة وطنية يقودها حزب البعث والعمل علي تسليم السلطة الي (منظومة جاهزة )حتي لو كانت مرتبطة بايران من اجل تحقيق (استقرار مؤقت)بأي ثمن ….وهو اكبر خطأ استراتيجي مضاف وبدون تروي …….. فجاء الثمن باهظا في سيطرة ايران علي مجمل الساحة العراقية .
———————————————
مرحلة التحول النوعي بعد باراك أوباما
———————————————
في عهد اوباما وشذوذية سياسته في اللعب علي الحبلين
باتت ايران (شريك لا خصم ) فمع وصول باراك اوباما تغيرت المعادلة من جذورها
واشنطون لم تعد تري ايران خصمافقط ،بل (شريكا ضرورياً لإنجاز الاتفاق النووي)لذلك غضت الطرف عن تمدد الميلشيات الإيرانية وأداء نوري المالكي عميلا لايران وأميناً عاما علي مصالحها واستراتيجية تغلغلها المذهبي ولم تعر اهتماما للجريمة الشعبية وعمليات الاعتقال والإقصاء والسرقات والاغتيالات ،فبات العراق مسرحا ومرتعا خصباً للجريمة المنظمة الإيرانية !
——————————————
كان هدف أمريكا أوباما مع ايران(أتفاق نووي بأي ثمن )فجاء الثمن
عراق ضعيف ممزق طائفي التوجه مرتهن لايران
———————————————
الحسابات الأمريكية الباردة (غير المحسوبة )
———————————————-
يعتقد في دوائر دول الغرب وأمريكا ان العراق دولة مسالمة عندما يتعرض لعوامل الضعف والاذي ، وهنا ثمة تفسير اكثر واقعية وبروزا في اذهان صناع القرارات الامريكية وهو((عراق قوي خطر الي ….. عراق ضعيف مؤتمن )).
امريكا لا تريد عراقا يعيد بناء جيش قوي ذو عقيدة وطنية يصبح قوة أقليمية من جديد وينافس الحلفاء والاصدقاء ويهدد امن المنافع والمصالح الغربية الأمريكية او يهدد بشكل خاص (أمن إسرائيل)او يتدخل في نفوذ دول الخليج .
لذلك فامريكا تحلل جدولة قرارها بشأن العراق وهو (ان يكون تحت هيمنة قوي ضعيفة وفاسدة ومرتبطة بايران يخدم (مشروع الاستقرار النسبي )والذي تفضله أمريكا وتحويله إلي بلد منزوع القدرة علي تهديد الغرب وإقليم الشرق الأوسط وغير قادر علي النهوض )ً
وهو فعلا أبشع مشروع سياسي منهج في عقل أمريكا والغرب .
وختاما تحليليا لهذا السيناريو فأن (أمريكا لم تسلم العراق لايران وميليشياتها عبثاً لكنها فعلت فعلت ذلك عبر سلاسل من الحسابات الخاطئة وعدم نضج الرؤية والاستخفاف ببنية وطبيعة النمط الاجتماعي العراقي وسوء (التقدير والاستطلاع الاستخباري)مع توفر قرارات كارثية ورغبة في الخروج السريع منه واستثمار إيراني قدم لها خدمات عديدة وان تضرر العراق وتمزقت اواصر قوته الاجتماعية وضياع شباب شعبه وتفت اماله للمستقبل ….فهذا لا يعني لأمريكا وايران شئ
ونتيجة لذلك فقد كسبت ايران (جائزة جيواستراتيجية)في تاريخها الحديث ،ليس لانها قوية فحسب ،بل لان (امريكا ارتكبت خطأ استراتيجيا كلفها ثمن كبير )وضربها مع اسرائيل داخل ايران العام الماضي ربما جزؤيا يعطل ايران لكنه لا يكفي بعد ان اصبح العراق عونا ميليشاويا لايران وبات الترقيع أوسع نطاقا.
امريكا تخطأ والشعوب تدفع الضريبة
امريكا تحت غطرسة التخطيط السياسي لاداراتاها المتنوعة في رسم خريطة القطبية المتفردة وتصدر الشعارات الرنانة في (ممارسة الديمقراطية ) قد

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى