
كان يجلس في الركن الأيمن، أقصى ركن في المطعم، المعروف بالركن الهادئ… لكن في عينيه ما لا يشبه هذا الهدوء.
ذلك الركن لا يرتاده الجميع؛ غالبًا ما يجلس فيه أبناء الطبقة الأرستقراطية في المزرعة. تأكل هناك دون أن تدري أن الجالس بجوارك قد يكون المدير العام، أو شخصية نافذة، يتناول طعامه وحيدًا، بلا مرافقة ولا ضجيج.
عندما تقع عيناك عليه، تستقبلك تلك الهيبة الخاصة، هيبة من يشبه أميرًا أو شخصية ملهمة. كنت أراقبه من بعيد؛ لا يصدر عنه صوت، ولا يثير جلبة. يبتسم فقط حين يلتفت نحوك، ابتسامة ودودة تجعلك، للوهلة الأولى، تظنّ أنها خُصّت لك وحدك.
كان يبدو أصغر من عمره الحقيقي، ملامحه طفولية، أنيقًا في جلسته، دقيقًا في حركاته. يمسك الملعقة، ثم يتبعها بالشوكة أو السكين، وحين ينتهي من طعامه يضع الشوكة والسكين متقاطعتين، في إشارة هادئة للنادل بأنه فرغ من وجبته.
اقتربتُ منه ذات ليلة قمرية، وما أكثر الليالي القمرية في الصحراء. وبعد أن تبادلنا السلام والتحية، وجّه إليّ سؤالًا وهو يضحك: — أنت الصحفي الذي جاء ليتعرّف على أحوال سكان مزرعة الحرية، أليس كذلك؟
وأنا أنظر في عينيه، لاحظت شيئًا لم أستطع تجاهله… بريق رطب، دمعة مترددة لم تسقط بعد. كان يتحدث بلطف، لكن نبرة صوته كانت أعمق من الكلمات، تصل إلى القلب وتضغط عليه بصمت.
سكتُّ لحظة، لا لأنني لا أملك سؤالًا، بل لأن شيئًا في داخلي قال إن هذا الصمت أصدق من الكلام.
ثم قلت بهدوء: يبدو أنك تحمل حكاية… وإن رغبت، فأنا مستعد أن أسمعها.
ابتسم ابتسامة مختلفة، وقال: ليست حكاية ممتعة… لكنها حكاية حقيقية.
كان الحماس يشعّ من وجهه، ومن عينيه اللتين لم تعدا تخفيان دموعهما. وأضاف: أريد فقط أن تصل رسالتي إلى من أحببت.
ثم استأذن قائلًا: هل تسمح أن أجلب كرسيًا لك ولي؟
فقلت مبتسمًا: بالطبع، سأكون هنا.
وحين ابتعد، بقيت أنظر إلى المكان الذي كان يجلس فيه، وأقول في داخلي: يا ترى… ما سرّ هذه الدمعة؟
غدًا سنعرف الحكاية…



