شعر و قصص

الوطن… حين يصبح الغياب أطول من المسافة

الدكتور خالد الحديثي/ مسقط في 10/01/2026

الغربة عن الوطن لا تأتي فجأة.
إنها تشبه انسحاب الحبيبة ببطء،
حين تبقى في المكان، لكن قلبها يبتعد خطوة خطوة.
تخاطبك بلغة عامة،
تنظر إليك كأحدهم،
وتعاملك كأنك قابل للاستبدال.
الوطن يشبه امرأة بلا ملامح حين تقرر ألا تراك.
تكون حاضرا، لكنها لا تنظر.
تتكلم، لكنها لا تسمع.
وتدافع عنها، بينما تتصرف وكأنك في غياهب النسيان.
لم تكن امرأة،
ولا كان وطنا بالمعنى الذي يُدرَّس في الكتب.
كان شيئا ثالثا… علاقة.
شيئا نكبر داخله، ونشيخ معه، ونكتشف متأخرين أننا كنّا نحبّه أكثر مما كان يحتمل.
نحبّ بعض الأشياء دون أسماء،
لأن الاسم يقيّدها،
ولأن الملامح تجعل الفقد محددا أكثر مما نحتمل.
هكذا كان الوطن… وهكذا كانت هي.
حضورا كاملاً، ثم غيابا لا يمكن شرحه.
في البداية، لا نشعر بالخسارة.
نقول: تعب عابر، سوء فهم، مرحلة وستمر.
كما نفعل في الحب حين نبرّر الصمت، ونؤجّل المواجهة، ونقنع أنفسنا أن الغياب مؤقت.
لكن شيئًا ما كان يتآكل بصمت…
الثقة، تلك التي لا تعود حين تنكسر.
لا أحد يخبرك متى تفقد الوطن.
تكتشف ذلك حين تتحدث فلا يُسمع صوتك،
حين تحب فلا يُردّ الحب،
وحين تدافع عنه أكثر مما يدافع عنك.
عندها تفهم أن العلاقة لم تنتهِ رسميا،
لكنها ماتت من الداخل.
الوطن، مثل تلك المرأة،
لم يخنك دفعة واحدة،
بل أهملك بما يكفي لتتآكل صورتك في عينيه.
جعلك تنتظر كثيرا،
وتصمت أكثر مما يجب،
وتتعلّم كيف تُحب دون مقابل.

الغربة لا تبدأ عند الحدود.
تبدأ حين يصبح الحب عبئا،
والانتماء تهمة،
والصوت الزائد مصدر إزعاج.
حينها لا تغادر الوطن…
الوطن هو من يغادرك.
كما في الحب، لا يُقتل الوطن بالكراهية،
بل بالإهمال المتكرر.
بأن تُترك العلاقة تنزف دون اعتراف،
وأن يُطلب من المواطن الصبر بدل الكرامة،
والصمت بدل الشراكة.
نستمر في الحب لأننا لا نعرف غيره.
نستمر في الحب رغم الألم.
نتمسّك بالذكريات،
نبرّر الغياب،
نؤجّل المواجهة.
لكن القلب يعرف الحقيقة قبل العقل:
العلاقة التي لا تُرمَّم، تموت… حتى لو بقيت قائمة على الورق.
نستحضر ما كان،
نقول: “كان جميلًا… لا بد أن يعود”.
لكن العودة، حين تأتي متأخرة، لا تشبه البدايات.
تماما كما لا يعود الحب بعد أن يتحول إلى عبء.
خسارة الوطن لا تُشبه خسارة مكان،
بل خسارة ذات.
كأنك تفقد جزءا من تعريفك،
كأنك تُسأل فجأة: من أنت؟
ولا تجد جوابا لا يوجع.
الأخطر من الفقد،
أن يعتاد الإنسان هذا الشعور.
أن يتعايش مع الغربة،
أن يُقنع نفسه أن الحب الصامت فضيلة،
وأن الخذلان قدر.
هنا لا يُدمَّر الوطن،
بل تُدفن العلاقة معه دون ضجيج.
الوطن لا يموت حين يُهاجَر،
بل حين يتوقّف عن أن يكون محبوبا.
وحين يصبح المواطن مثل عاشق قديم
يتذكّر، يحنّ،
لكنه لم يعد يجرؤ على السؤال:
هل كنتُ مهما يوما؟
الوطن لا يحتاج مزيدا من الشعارات.
ولا يحتاج عشّاقا يصفّقون في المناسبات.
يحتاج شجاعة الاعتراف بأن العلاقة انكسرت،
وأن الإنسان ليس تفصيلا،
بل جوهر الحكاية.
فكما لا يعيش الحب دون احترام،
لا يعيش الوطن دون مواطنيه.
وكل تأخير في ترميم هذه العلاقة
ليس سياسة…
بل خسارة مؤجلة.
كما في الحب،
لا يُنقذ الوطنَ مزيدٌ من الكلمات،
بل اعترافٌ صريح بالألم،
وإعادة بناء العلاقة من جذورها.
فالبيوت التي لا تُرمَّم،
والقلوب التي لا يُصغى إليها،
تنهار… حتى لو بقيت واقفة في الصور.
الوطن، مثلها،
لا يُطلب أن يكون مثاليا،
بل أن يكون صادقا.
أن يقول: أخطأت.
أن يمدّ يده قبل أن يصبح الفقد عادة،
والغربة هوية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى