الإيرانيون اليوم لا يثورون فقط ضد نظام الملالي الذي سلبهم الحريات وأغرق البلاد في القمع والفقر، بل يرفضون أيضًا أي محاولة لإعادة تدوير الاستبداد بواجهة جديدة. رفضهم القاطع لاستغلال نجل الشاه لحراكهم الشعبي يعكس وعيًا تاريخيًا عميقًا نضج عبر تجربة مريرة مع ديكتاتوريتين متعاقبتين.
الثوار الإيرانيون يرفعون شعارًا واضحًا: لا عودة إلى ديكتاتورية الشاه، ولا استمرار لسلطة الملالي. فكلا النظامين، رغم اختلاف شعاراتهما، اتفقا في شيء واحد: القمع، وانتهاك حقوق الإنسان، واحتكار السلطة، وتحويل الدولة إلى أداة أمنية.
حكمت أسرة بهلوي إيران بين 1925 و1979 بقبضة حديدية، مستندة إلى جهاز السافاك سيئ الصيت الذي مارس التعذيب والاغتيالات وقمع المعارضة. ورغم الطفرة النفطية، عاش الشاه حياة مليئة بالبذخ، بينما تزايدت الفوارق الاجتماعية، وقُمعت الجامعات، وامتلأت السجون بالطلاب والمعارضين، واغتيل مفكرون بارزون مثل علي شريعتي.
أما على المستوى الإقليمي، فقد تميز حكم الشاه بتدخلات واضحة فإرث الشاه لم يقتصر على القمع الداخلي فحسب، بل امتد إلى التدخل في شؤون الدول العربية، حيث لعب دور “شرطي الخليج” بتوجيه غربي.
العراق: خلاف طويل حول شط العرب، ودعم التمرد الكردي بقيادة مصطفى البارزاني وجماعات معارضة اخرى كحزب الدعوة العميل لتقويض سلطة بغداد والسياسات التوسعية التي هدفت إلى تعزيز نفوذه في العراق.
البحرين: اعتبارها جزءًا من إيران حتى الاستفتاء الدولي عام 1970، مع تهديد سياسي مستمر لسنوات.
الإمارات: السيطرة العسكرية على جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى قبل قيام دولة الإمارات عام 1971، في إطار سياسة “شرطي الخليج” المدعومة أمريكيًا.
هذه السياسات الداخلية والخارجية أظهرت أن نظام الشاه كان ديكتاتوريًا في الداخل واستعماريًا نفوذيًا في الخارج، وهو ما ترك أثرًا سلبيًا على العلاقات الإقليمية والشعب الإيراني نفسه.
و مع تصاعد الغضب الشعبي، توحدت جميع فئات المجتمع ضد الشاه، لتبلغ الثورة ذروتها في مجزرة “الجمعة السوداء” عام 1978، قبل أن يغادر البلاد مطلع 1979 بعد أن تخلى عنه حلفاؤه.
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يؤكد الإيرانيون أن ثورتهم ليست مجرد مشروع استبدال طاغية بآخر، ولا محاولة لإحياء ملكية فاشلة، بل هي نضال من أجل دولة مدنية وديمقراطية تحترم الإنسان وتطوي صفحة الاستبداد بكل أشكاله، داخليًا وخارجيًا.
إنها ثورة ترفض استبداد الماضي كما ترفض الحاضر الدامي وتسعى الى مستقبل آمن بلا طُغاة ولا أوصياء.



