شعر و قصص

كرامة المرأة في ميزان الإسلام في زمن التطرّف الحضاري

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي *كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

في زمنٍ يعلو فيه الصخب وتختلط فيه المفاهيم، لم تعد كرامة المرأة قضية إنسانية خالصة، بل تحوّلت إلى ساحة صراعٍ أيديولوجي، تُرفع فيها الشعارات أكثر مما تُصان القيم، ويُتاجر بالجسد باسم الحرية، كما يُضيَّق على الروح باسم التقاليد.
بين هذا وذاك، يقف العالم مرتبكًا: أيُّ طريقٍ يقود إلى كرامةٍ حقيقية لا تُستعمل ولا تُستغل؟
قبل أن تُنشئ الحضارات مواثيقها، وقبل أن تُعلن الفلسفات بياناتها، جاء الخطاب القرآني هادئًا، عميقًا، حاسمًا، لا يخاطب المرأة بوصفها تابعًا، ولا ينظر إليها كسلعة أو رمز، بل يضعها في موضع الإنسان الكامل، المكرَّم بإنسانيته، المصون بكرامته، المسؤول بوعيه.

لم يكن الإسلام في تعامله مع المرأة ردَّ فعلٍ على ظلمٍ سابق، ولا مجاراةً لموجةٍ حضارية، بل كان تأسيسًا أخلاقيًا سابقًا لزمانه، حين قال القرآن بوضوح لا لبس فيه:
*﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾* [الإسراء: 70]، تكريمٌ شامل لا يُفرِّق بين ذكرٍ وأنثى في أصل القيمة الإنسانيةِ.

حين نفتح صفحات الوحي باحثين عن صورة المرأة في الإسلام، لا نجد خطابًا جافًا ولا أوامر صلبة، بل نجد نغمة هادئة تشبه الهمس، وكأن النص الإلهي يتقصّد أن يُحدّث القلوب قبل العقول.

فالمرأة في الإسلام لم تُقدَّم بوصفها “قضية”، بل بوصفها أصلًا إنسانيًا، وجزءًا من المعنى الأول للوجود.

منذ الآية الأولى التي خاطب الله فيها البشر، لم يُفرّق بين رجل وامرأة، بل جمعهما في نداء واحد، حين قال تعالى:
*﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾* *(النساء: 1)*.

لم يقل: خلق الرجل ثم المرأة، بل قال: *نفس واحدة*، وكأن الوحي يريد أن يقتل التمييز في مهده، قبل أن يولد في العقول.

ومن هذا الأصل الواحد، خرجت فلسفة التعامل، فجاءت السنة النبوية تؤكد ما قرره القرآن، لا كشعار، بل كواقع مُعاش. يقول النبي ﷺ:
*«إنما النساء شقائق الرجال»*

(رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)

لم تكن هذه العبارة مجرد توصيف لغوي، بل إعلان مساواة إنسانية في زمنٍ كان يرى المرأة متاعًا أو عبئًا.

ثم ينتقل بنا القرآن الكريم من أصل الخلق إلى عمق العلاقة، فيرسم ملامح البيت المسلم لا بالحجارة، بل بالمشاعر. يقول الله تعالى:
*﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾*
*(الروم: 21)*.

السكن هنا ليس جداراً، بل طمأنينة، والمودة ليست ترفًا، بل ضرورة لبقاء الروح.

وقد جسّد النبي ﷺ هذه الآية سلوكًا حيًا، حين تحدث عن زوجته خديجة رضي الله عنها بعد وفاتها بسنوات، فقال بصدق العاشق الوفي:
*«إني قد رُزِقْتُ حُبَّها»*
(رواه مسلم)

فجعل الحب رزقًا، لا ضعفًا، وكرّس لغة المشاعر كجزء من الإيمان.

وفي مشهد آخر، تتجلّى عبقرية النبوة في أبهى صورها الدبلوماسية. كانت النساء على ظهور الإبل، وأنجشة يسوق بهنّ مسرعًا، فخشي النبي ﷺ على مشاعرهن قبل أجسادهن، فقال برفق بالغ:
*«يا أنجشة، رفقًا بالقوارير»*
(رواه البخاري ومسلم)

تشبيهٌ لا يجرح، ولا ينتقص، بل يعلّم الرجال أن المرأة تُكسر بالكلمة قبل اليد، وأن اللطف ليس خيارًا بل واجب.

ولم يقف الإسلام عند الزوجة، بل امتد إلى البنت، تلك التي كانت تُدفن حيّة في الجاهلية، فإذا بها في الإسلام تُصبح طريقًا إلى الجنة. قال النبي ﷺ:
*«من عال جاريتين (بنتين) حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين»*
(رواه مسلم)

وفي رواية جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ﷺ ـ قال: *«من كان له ثلاث بنات يؤدبهن ويرحمهن ويكفلهن وجبت له الجنة ألبتة، قيل يا رسول الله: فإن كانتا اثنتين؟، قال: وإن كانتا اثنتين، قال: فرأى بعض القوم أن لو قال: واحدة، لقال: واحدة»* رواه أحمد وصححه الألباني .

وبينما كان المجتمع القديم يتحسّر من ولادة الأنثى، جاء القرآن ليصحح الشعور من جذوره، فقال تعالى:
*﴿يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾* *(الشورى: 49)*،
فقدّم ذكر الإناث في ترتيب الآية، كما لاحظ المفسرون، تطييبًا للخواطر وتكريمًا للأنوثة.

ثم يأتي مفهوم الوقار، لا كقيد اجتماعي، بل كقيمة حضارية تحفظ الهيبة. يقول الله تعالى:
*﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ﴾*
*(الأحزاب: 33)*.

ويؤكد ابن عاشور أن المقصود بالوقار هنا ليس العزلة، بل السلوك الرصين الذي يُفرض به الاحترام.

وحين اقتربت لحظة الوداع، لم ينسَ النبي ﷺ المرأة، بل جعلها وصية أخيرة للأمة كلها، فقال:
*«استوصوا بالنساء خيرًا»*
(رواه البخاري ومسلم)

لم تكن هذه الوصية عاطفية، بل تشريعية أخلاقية، تختصر منهج الإسلام كله في التعامل مع المرأة.

*خاتمة*
إن احترام المرأة في الإسلام ليس استجابة لصرخة حداثية، بل وفاءٌ لنص سماوي، وسلوك نبوي.
فالمرأة لم تكن في الإسلام هامشًا… بل كانت محرابًا للكرامة، ومن يرفق بها، إنما يقترب خطوة من جوهر هذا الدين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى