استذكار لحقبة قاسية …بين البارحة واليوم …طيف رحل صدام حسين أيقونة الماضي وأفق الامل القومي
مقالة بقلم الاستاذ الدكتور طارق السامرائي

اقسي ما تركته ايام الماضي هو الغصة التي استمرأتها الامة العربية وحناجر الجماهير !
يوم ملوث بجريمة سحقت فيها المبادئ والقيم والأسس الإنسانية وهتكت ستر الديمقراطية والعدالة والإنصاف والاستهتار بكرامة شعوب واجيال تتطلع إلي استشراف مستقبلها وبناء ارادتها الوطنية تحت مظلة القانون ومبادئ التعايش .
واجه العالم مشروع احتلال العراق المبرمج لتدمير حاضره ومستقبله المتطلع اليه تلاه جريمة العصر التي اجريت مراسيمها الخبيثة في فجر عيد الاضحي المبارك والمصادف 30 من كانون الاول 2006 في اعدام الرئيس العراقي الخالد صدام حسين والذي كان بمثابة اعدام لكل القوانين والأعراف الانسانية والعدلية
ومن هذه الجريمة التاريخية اقول الماضي ليس زمناً انقضي بل هو طاقة كامنة تسكن الحاضر والمستقبل وتؤثر في مجريات الأمور .الامم لا تنسي تاريخها ولا تستطيع أن ترسم طريقها بثقة إلا من له عمق حضاري وتاريخي وتجربة فكرية وسياسية ايجابية لعالم اليوم ،والعراق منها ،قدم مثالا دقيقا علي هذا الترابط بين الذاكرة للماضي والمستقبل بافاقه الحضارية العربية .
وكل أزمة يعيشها العراق وشعبه الابي ليست إلا صدي لتراكمات عدائية صممت لكي تعالج بالاحتلال بوعي أمريكي صهيوني بريطاني إيراني .
ومن هذا المنطلق فان استذكار حالة الاحتلال وتصفية عناصر القيادة العراقية ليست عرفاً انسانيا ولا ترفًا قانونيا بل هو فعل ومشروع واستراتيجية معدة ،وعلينا ان نفهمه كيف ولماذا بالذات عراق البعث وصدام حسين ؟لان ما نفهمه من ديباجة هذه المؤامرة سيعود علينا بأشكال مختلفة وربما بشكل اكثر قسوة وأذي
كانت تجربة العراق فريدة ونموذج ومرئاةالماضي للحاضر والمستقبل ،فمنذ تاسيس دولة العراق عام 1921 كان مشروع بناء دولة لصالح مشروع سلطة ،سواء كانت ملكية او جمهورية نجد أن بناء مشروع الدولة كان قائما علي تثبيت شرعيته ومرجعيته السياسية
اما في نظام عام 1968 والذي فجرته قوي البعث العربي الاشتراكي في العراق رسخت فيه لب ثورتها في (بناء عقد اجتماعي وطني قومي )يربط النظام بالمواطن من خلال مؤسسات الدولة والقانون والامال الشرعية مع الأخذ بنظر الاعتبار أن نظام الحكم قد ولد في رحم التوازنات الداخلية لطبيعة المجتمع العراقي والخارجية تلبية لطموحات الشعب العربي في بناء مشروع الوحدة العربية وتوجهت إلي اعتماد مشروع (الوطن الجامع )امام اختبار الزمن والجهد القومي المبذول .
وبعد اعداد مؤمرة الاحتلال للعراق أظهرت الايام بعد 2003 ان الماضي لم يطوي ،كما تكفلت به قوي الشر بل اعيد فتحه علي مصراعيه ،لكي تدب فايروسات الاذي الي المجتمع العراقي وتعمل علي تمزيقه فئويا وطائفيا .
وبدلا من يتجه العراقيون إلي بناء دولة مدنية ديمقراطية كما دعي لها بوش الصغير وقعوا في فخ المحاصصة والولاءات المذهبية والأثنية التي صدرتها ثقافة الاجنبي وايران .
والذين ظنوا انهم يتقاطعون مع الماضي ،أعادوا إنتاجه بلغة خيانية وولائية جديدة ،عمت جذور الاذي للمشروع الوطني القومي وتم استبدال (الايدلوجية القومية)ب(ايدلوجية الطوائف)واستبدلت السيادة المركزية للنظام بتعددية مراكز نفوذ وميليشيات مسلحة .
وهكذا تحول العراق من دولة مؤسسات وقانون واهداف عربية تنموية قوية لها ثقلها ووزنها الدولي والإقليمي الي نظام حكم منقسم علي نفسه ومرتبك وفاقد لإدارة دولة ،تتنازعه الولاءات ما بين الداخل والخارج .
فباتت (لحظة إلا دولة )حيث اصبح المواطن تبع للطائفية لا للوطن ،والمؤسسات فاقدة لمسؤولياتها الاساسية ولصالح الولاءات الشخصية والحزبية المستوردة من الخارج .
وبعد مجزرة الإعدام لشخصيات وطنية ورموز عربية وفي اولوياتها الشهيد النزيه والشجاع صدام حسين وقيادة الدولة معه ،ولدت ذاكرة جماهيرية تحمل الألم والإنكار لهذا الجرم والجرح التاريخي ،وتعرض المجتمع العراقي الي هموم ثقيلة وانشقاقات وخذلان مشفوعا باخطر امراض الانقلابات ومتغيرات الوضع السياسي الهمجي وتدمير الدولة تحت مسمي الدولة وترسخت فكرة (الإنكار التاريخي) المستورد ايرانيا وصهيونيا .
ولكن الشعوب لا تشفي بالنسيان بل بالاعتراف ومواجهة الحقيقة المرة ،ولا تتصلح الأمور بعد خرابها وتقوم علي بناء استراتيجية جديدة بل بالوعي والفهم للمواقف الوطنية وليس لسياسة الثأر التي تبنتها ايران وأمريكا والصهيونية،لان الامم لا تجدد نهضتها بالذكريات المؤلمة بل بتحويل الذكريات الي دروس مستنبطة تبني بها مشروعا ينقض عمليات التخريب .
ان وداع ورحيل مجموعة مناضلة من رجال النظام الزمن السابق يدعو فعلا لاستشراف وقراءة ملامح المستقبل الجديد وهو لا يعني التنبؤ به او الاستدلال بمقوماته فحسب بل بفهم المسارات التي تؤدي الي نجاحه .
وفي واقع الحال فان العراق امام خيارين (اما ان يبقي أسير رهن الطاعة والتغني بالماضي )او ان يعيد صياغة وعيه الوطني علي اسس جديدة قوامها محاربة المنكر من الامور والمواطنة التي تحلي بها النظام الوطني السابق ونبذ المذهبية ومصادر تصديرها وقبر المرجعيات الطائفية وترك الزعامات والعودة للدولة والعدالة والشعب والقانون لا الغلبة والتطرف والشعوذة الدينية ،لكي يكون للنضال معني وللدولة (معني وطريق)وليس مجرد سلطة دكتاتورية ،بل كأطار جامع وطني يعلو علي امراض الانتمائات الضيقة ،والتحلي بالعقلانية الوطنية بوصفها اداة للفهم ورسم الطريق الوطني واستعادة الذاكرة الوطنية التي أرساها البعث العربي وشخصية صدام حسين الوطنية القومية كمصدر وعي لا كخزان للتنافس .
إن العزم علي الامر لا يأتي فقط للوقوف علي استذكار الماضي فهو ليس اجتراراً بل محاولة للتحرر من سلطته .
ان الشعوب التي بنت مجدها بعد النكسات هي التي تمتلك الشجاعة في انتاء نبذ من ماضيها بعيون ناقدة لكي تكتب الجديد من خصوصيات دروب مستقبلها الناهض .
والعراق بعد كل جراحه وتوطين تناقضاته ،ما زال يمتلك الطاقات والزخم الوطني في تجديد نهضة هائلة وفريدة ،انه شعب الذري !
اننا مبعثرين نقرأ التاريخ كتجربة وموقف لا مقدر محتوم ،بل كمسار يمكن إصلاح خللهوتغييره للمهمة القومية ،وكمسمار في نعش القطرية والانقسامية والتشتتية .
ان الطريق إلي اليقظة والوعي يبدأ من الذاكرة ،فلنستذكر رحيل الايقونة الشهيد صدام حسين في معترك اغتيلت فيه العدالة والقانون والحرية ،بل ونستعيد القدرة علي الحلم بوطن يستحق الفداء والمقاومة ونيل شرف التضحية ويستحقه تاريخه الحضاري الطويل .
من الإنصاف والحديث عن رجل رحل وهو يحمل المببادئ وهموم الامة ،فهو رجل تاريخ ودولة قوي في زمن دولة قوية منضبطة الأركان ،كان الشهيد صدام حسين نتاج معاناة في حياة البدوية والمتمدنة وانصهر في بوتقة الضمير الوطني ووجدان نضع الامة المرير وهو بذلك توافقت فيه عوامل المركزية والصلابة وخلقت منه شخصية قوية أمنية استطلاعية من لدن مبادئ حزب قومي له فكره الجوال وعلمية تفاعله مع الحياة .
استطاع الشهيد صدام حسين ان يختزل المراحل في تسيير دفة الحكم والدولة ،وفي هذا الاطار ،استطاع بناء دولة في ظل فرض المركزية لكي يبني دولة ذات سيادة فعلية حافظ بها علي وحدة العراق وبناء تجربة تتناسب مع مسارات الفكر الانبعاثي ،وفرض هيبتها علي كل الأصعدة بسبب تمتعه بالعقلية الحضارية وكشف قوانين المرحلة والتاريخ .
حافظ علي طبيعة المجتمع العراقي الغير متجانس ووحد رقعته الجغرافية وهيبة القيم الوطنية وجعل العراق لاعبا إقليمياً لا يمكن تجاهله ،رغم ان خصومه بالأهداف والاستراتيجية والمؤهلات الشخصية والقيادية نسبوها إلي قوته كفرد وليس في المؤسسات ،كونها شخصية قائمة علي عنصري القوة في اتخاذ القرار والردع المباشر
وفي عهد الراحل طيف المرحلة الذهبية ومن منظور عادل بات العراق دولة خارج سرب دول العالم الثالث وعمل بجد وعناية علي (عسكرة المجتمع العراقي )ليكون نواة والطليعة لانجاز المهام التاريخية والاستراتيجية ،رغم الحروب وكوارثها والتي صنعت وعولبت في معامل الساحات الاجنبية وكان الهدف منها استنزاف عسكري ونفسي لشخص صدام حسين وبررت جميع هذه الحروب لتكون مادة للتغذية ضد شخصه والبعث كمنظومة سياسية عربية قومية .
ولربما نجحت دوائر التوجه المعاكس لطموحات الشهيد صدام حسين وتعزيز دوره الذي نمي في الوسط الجماهيري العربي ،وأسهمت علي المدي المرحلي فتح الابواب للتدخل الدولي والتي تكالبت في تقرير مصيره ومهدت لانهيار النظام بطريقة همجية تتبع شريعة الغاب قبل شريعة القانون ومؤسساته .
ان تقرير الاعدام للشهيد صدام حسين كان واقعة لا نقاش فيها حيث ان الاحتلال خلق عواصف الهجمات الاعلامية والمطالب المباشرة اقليميا ودوليا بإعدام البعث ورجله القوي المؤمن صدام حسين !
ان مسرحية عقد المحاكمات الصورية وطرح قضايا بعيدة عن جوهر الإعدام ،انما هي جراحة تجميلية للعدوان وتخديش للفكر العروبي الوحدوي والبعث في ممارساته الفكرية وثقافته النيرة ،فكان إعدامه هو إعدام فكر ومرحلة وطموح عروبي ونهاية لمفهوم الدولة العراقية الحديثة ، وإعلان ولادة عراق جديد … لكنه عراق في ضياع وغوغائية سياسية .
الإعدام كان طريقة مسيسة وبطلب وتوقيت طائفي (فجر عيد الاضحي) ترافقها موجات وصريخ انتقامي مبرمج ،جرد المحاكمات ونمط الإعدام وإجراءاته من كل قيمة عدلية وانسانية ،وحوله الي فعل همجي ثأري انتقامي مخالف لكل عدالة انتقالية .
وبقي صدام حسين رمز عروبي وربما الي حدما رمز نضالي وشخصية حديثة ومرنة في تداعيات الوضع السياسي المحلي والدولي ،كما ان نجاح السيرة النقية له وللقيادات المسؤولة زادت من ميزان الإثراء ،فالشهيد صدام حسين لم يكن طالباً للحياة بقدر ما كان طالبا للجهاد العروبي والرباني .
وبعد الإعدام انتهت الدولة الي نظام ميلشاوي معقد يرتبط بنظريات دينية خاوية المضامين تحولت فيها السيادة الي ممارسات تخدم الأجندة والاهداف العكسية لدولة الوحدة والفكر العربي المنظم .
وتأكد العالم والولايات المتحدة الأمريكية وايران وإسرائيل ان سقوط نظام البعث وإعدام الشهيد صدام حسين لم يفي بالغرض ولم يفجر عدالة ودولة افضل في المعايير !
وبكل تاكيد لم تتحقق الديمقراطية ولا المجتمع المستمد طاعته للقانون ،ولم تحفظ سيادته ،بل تم تفكيك روابط الدولة وتسليمها الي قوي خارجية متصارعة وعدوة بالأصل من كل مشروع عربي وطني .
كان الشهيد صدام حسين دولة داخل دولة منظراً فريداً وقياديا ملتزم ورجل دولة حديثة ،وإعدامه اجج الضمير العربي والعالمي وكان اجراءاظالما وجرح عميق لكرامة العرب انساناً ودولا وانتقاماً سياسيافتح باب الفوضي لإقليم العرب !
الشهيد صدام حسين ظاهرة تاريخية وسياسية انتهت بها مباديء العدالة وشرعية القانون
ويبقي صداى حسين حديث العرب والعالم الحر ومن يتبع الهدي .



