
بعد سلسلة من العجز السياسي لحكام السلطة العراقية بات المشهد واقعا مريرا لا يقبل التفنيد ولا التضليل ،فحينما تستمع إلي دعات المجلس السياسي (من السنة )ومن عباقرة الجهل في الاطار التنسيقي (الشيعة) لم يعد تمرينا في المتابعة السياسية بل اختبار صعب لقدرة الإنسان علي تحمل عبء العبث في ضياع المسؤولية ،وكارثة حقيقية في مواجهة ازمات مترابطة متواترة وليست ازمة عابرة ،بل تحولت بعضها إلي كوارث نخبوية متكاملة الأركان ولها عناوينها (سياسيون عاجزون )و(متخلفون فكرياً وعقائديا) ومنفصلون تماما عن عن فكرة (الدولة)،فلا دولة في عقولهم ولا في مشاريعهم المعوجة !
فما يقدمه هؤلاء ليس خطابا سياسياً بل ثرثرة طائفية علي ضفاف دجلة والفرات مكررة وذات طابع موسيقي مزعج خالية من أي رؤية وسيناريو متحضر للحكم !
فلا مشروع وطني باطار الاستراتيجية بعيدة المدي ولا عقلية وفهم علمي للاقتصاد ولا تصورات لدولة (مؤسسات)ولا حتي استيعاب بدائي لمعني (السيادة)!
فكل ما نلمسه ونسمعه هو لغة الشكاوي ، وسرد المظلوميات الانتقائية وتهم الخيانة الرخيصة ،واستدعاء دائم للهويات ما قبل الدولة .
فهم لا يتحدون بصيغة دولة ،بل بلهجة جماعات قلقة من زوال امتيازاتها!
حكام منذ 23سنة لم يتعلموا ولم يتمكنوا من قيادة اي قطاع في الدولة …ويتصرفون كضحايا !
والكارثة المفضوحة ان هذه الجماعات وقواها المتخلفة والمصابة بداء الجهل السياسي لدولة هي من حكمت العراق منذ عام 2003 او شاركت في ادارة دفة حكمه ولا زالت تتحدث وكأنها خارج السلطة محركها هو عوامل الانتهازية وعقم الجهل والطائفية المقيتة !
ولا ترغب أن يعترف احدهم بمسؤولية الانهيار الذي عم العراق ،بل ولا يجرؤعلي قول الحقيقة لشعب عريق أنهكوه بكل امراض عصر ما قبل الجاهلية (عصر الظلمات والسحر وقراءة الفنجان والبخت )!
سياسيوا عراق اليوم منشغلين بمشاوير السلب والنهب والاحتراب من اجل المواقع والقوة والنفوذ ،لا اعتبار لهم لحسابات الضمير والشعب والتاريخ ،منشغلون في مشاويرهم الخيانية في عصر ذهبي لا يكرر !
وبعد دورة الانتخابات تمت اعادة تدوير السياسين لتدوير استمرار فشل الدولة وكأن العراق (مزرعة) رعوية وشخصية لا دولة ذات شعب وحضارة وعضو في الامم المتحدة وله شأنه ودوره الرائد والرائع في المنظومة الدولية والاقليمية.
تخلف سياسي وفئوية كفاءات فقيرة
————————————————-
وهو المرض الذي لا علاج له ،فالمشكلة لم تعد خلافاً سياسيا بل تخلفا بنيويا في التفكير والممارسة ومن خلال عقول لا تعي معني وصيغ (الدولة الحديثة )،وزعامات تري في المواطنة خطرا،وفي الكفاءات تهديدا،ونخب لا تعيش إلا في بيئة الفوضي والفساد
لهذا فأن الحديث عن حلول تخرج من هذه الطبقة هو وهم فاضح
فمن لا يفهم المشكلة لا يمكن له أن يصنع حلاً،ومن كأن جزءا من الخراب لا يصلح أن يكون مهندساً للإنقاذ .
هل بدائيوا حكام العراق الجدد قادرين علي الإصلاح من الداخل ؟
———————————————-
الكذبة الكبري في زمن حكام عراق ما بعد 2003 انهم يوهمون انفسهم بطرح سيناريو (الإصلاح التدريجي )،وهي مناورة تضليل استهلكت عني فقدت معناها وتاثيرها الجماهيري ،فهذه المنظومة غير قابلة للإصلاح ،لا لانهاشريرة فقط ،بل لانها عاجزة عقليا وتجربة وعلميّة في طبيعة بناؤها وتكوينها الشخصي ،وبقاؤها مرهون باستمرا ؟طبيعة الفشل )،وأي نجاح حقيقي يعني موتها وحفر قبرها .
وكل حكومة توافقية جديدة ليست حلاً ولا علاجاً بل مسكن للالام مؤقت لانهيار مؤجل لابد من وقوعه .
حقيقة الواقع الحالي
————————————
العراق عملاقا في موارده وشعبه وتاريخه،ليس فقيراً ولا شحيحاً،لكنه مخطوفا من قبل منظومة سياسية تبعية للاجنبي بكل اطيافه فاشلة تم الاستعانة بها لمرحلة ،مفلسة فكريا وعقائديا،ولا هناك أمل يرتجي منها ،عقيمة وخارج الإنتاج ،والاستماع الي خطابات مؤسساتها البائسة في المجلس السياسي الوطني والإطار التنسيقي اليوم يكشف الحقيقة العارية (من دمر العراق والدولة لا يمكن أن يعيد بناؤها ،مهما غير خطابه او بدل شعاراته ).
فالعراق لن ينهض بتسويات بين العاجزين ولا بحكومات تجمع فشلا سنيا بفشلا شيعيا تحت عنوان مراوغ يدعونه (الشراكة ).
النهوض يبدأ فقط عندما تنتهي صلاحية هذه الطبقة وتصبح (اكسباير)وتفتح أفاق لقوي وطنية جديدة تفهم ماذا تعني (الدولة والقانون والنظام )لا الطائفة،والمواطنة وخدمة الشعب لا الغنيمة ومال الحرام ،وحتي ذلك الحين ،يبقي العراق يدفع الثمن وضرائب تخلف من يحكمه ….يوما بعد يوم …ومن سئ الي أسؤا.
فالدولة في عراق اليوم تعترف بعدم أهلية وجودها ،وهذا ما ادلي به فؤاد حسين وزير خارجية نظام العراق الحالي حين يقول (ان الفصائل والميليشيات جزء من النظام السياسي وهم ممثلون في البرلمان واشتراكهم في السلطة والحكومة حالة طبيعية )وهو بذلك لا يقدم توصيفا تقنياً لواقع سياسي معقد بل يطلق العنان لاعتراف رسمي خطير بانهيار الفكرة الجوهرية للدولة العراقية ،فالدولة في اول تعريفاتها (هي كيان يحتكر العنف المشروع ويخضع الجميع لسلطة القانون )وما عدا ذلك هو (لا دولة)مهما تعددت مؤسساته ومسمياتها
وعلي هذا الاساس بودي الاشارة الي ما يلي :-
————————————————-
١- المليشيا نقيض الدولة وليست جزء من مكوناتها (الميليشيا ليست حزباً سياسياً ذا جناح عسكري ولا حركة تحرر في طور الانتقال )بل هي تنظيم مسلح يعمل خارج اطار منظومة القيادة الوطنيّة ويستمد شرعيته من (السلاح)لا من (الدستور)
ولذلك فان نظام الميلشيات (جزء من النظام السياسي )وهذا يعني قولاً ان الميليشيات (جزء من النظام السياسي )بمعني ان النظام نفسه قد تقبل التعايش مع نقيضه ،بل وشرعن وجوده
ففي الدول السوية يجرد الداخل الي السياسة من سلاحه ،اما في العراق اليوم ففي جري العكس (ادخال السلاح الي السياسة ) ثم تكييف الدستور والقوانين لاجل التوائم مع هذه الحقيقة الشاذة والمنحرفة .
٢- البرلمان تحت مظلة البندقية .
حيث ومن المعلوم ان التمثيل البرلماني يفترض تكافؤ الفرص بين المتنافسين وحرية الناخب في الاختيار ودوره الاستقلالي في القرار . ولكن كيف يمكن التصور عن برلمان حقيقي يجلس تحت قبته من يمتلك قوي مسلحة قادرة علي بث الترهيب والتصفية وفرض القرارات وابتزازها ؟
فحين يكون النائب محصناً بفصيل مسلح فان صوته لا يمثل صوت (ناخبيه)بل صدي لميزان القوة علي الارض !
وهنا يتحول البرلمان من (سلطة تشريعية الي واجهة مدنية للصراعات المسلحة المؤجلة ).
٣- التغيير من شرعنة التمثيل إلي شرعنة العنف .
والملاحظ من عمق الخطورة في تصريحات المبجل وزير الخارجية العراقي (انه لا يبرر وجود ميليشيات فحسب بل يحول العنف الي مسار سياسي مشروع .
فالرسالة في مضمونها تؤكد :- (من يريد حصة في الحكم فليؤسس فصيلا مسلحاً،ثم يخوض غمار الانتخابات ،وستتكفل الواقعية السياسية بتبييض المسار .
وبهذه العجرفة المنطقية لا يعود السلاح (جريمة دستورية )بل استثمار سياسي ناجح وتصبح الدولة راعياً للفوضي بدل من ان تكون نقيضها .
٤- دولة هجينية ام دولة مزورة .
يحاول بعض المحللين والمنظرين السياسيين تزويق هذا الواقع بمنطق مصطلحيّ (الدولة الهجينية )او (الديمقراطية التوفيقية ) لكن الأكثر فجاجة اننا في الواقع امام (دولة سارقة او مختطفة )،حيث لا تفرض القوانين إلا علي (الضعفاء)،بينما يمنح الأقوياء حق النقض (بالسلاح والقوة المفروضة ).
الدولة الهجينية قد تكون (مرحلة انتقالية)اما ما يطبق في العراق فهو (انسداد تاريخي ) لا حرب اهلية شاملة ،ولا دولة متكاملة الأركان ،بل مرحلة تعايش قسري بين مؤسسات شكلية هلامية وقوي موازية للأقوي منها .
٥- عندما يكون الاعتراف جريمة مدانة .
من باب للحق جولات ربما حاول الوزير فؤاد حسين ان يجبر الخواطر فمال الي كينونة ( الواقعية )امام المجتمع الاقليمي والدولي (المداهنة )،لا الواقعية تحولت من الي قرار بالعجز ،فالدول لا تقاس بقدرتها علي وصف (ازماتها)بل بقدرتها في توفير العلاج والحلول !
وعندما تعترف الدولة بأن السلاح الخارج عنها جزء منها ،فهي لا تتسع بل(تتلاشي تدريجياً).
الخاتمة
——————————
يواجه العراق دولة ونظاماً سياسيا حالة شتات وضياع ليس في وجود الميلشيات بحد وصفها ،بل تحويل وجودها إلي حالة طبيعية( وقبول سياسي وتقبل اخلاقي معيب ).
فالدولة التي تتعاون مع نقيضها لا (تنجو)،بل (تؤجل انهيارها )!
وهنا نطرح سؤال كمحللين وقراء لما سيؤول اليه العراق ،هل سيبقي العراق ما يمكن ان يسمي (دولة)؟


